ألرئيسيةالثقافيةحوارات

سونيا الفرجاني.. تُشفيكَ اللغة عبر شفتيّ القصيدة

حاورها: مهند شريفة

تجربة سونيا الفرجاني تمثل علامة نضج في المشهد الشعريّ ليس في تونس وحسب إنما في العالم العربي كله ، فشعرها لا يُقرأ بقدر ما تُقطف ثماره من أشجار السماء ويُشمّ حبقه عبر نسائم الأرض ونحن في كل الأحوال نخرج من شعر سونيا الفرجاني مبللين بحقيقة مؤادها أن هذا المرأة قد قُدَّت من بلوّر ينكسر إلى شظايا ليطير على جناح الريح وبالتالي حضور سونيا ضروريّ لانقاذ ما ينبغي انقاذه..سونيا الفرجاني رئة ثالثة لا تتنفس إلا شعرًا وحبًا .. تمتطي صهوة نصّها وتُحلّق مجنحَّة وسط بحر من الآفاق يتسع كلما مضت فيه قدمًا ، كلماتها فخّ يتربّص بالأشياء ولا يكاد شيء ينجو من شِباك متنها ، فالنملة تأخذ دور البطولة بوقوفها على أرنبة أنف فيل والجسر الفاصل بين النهار والليل يُقشِّر مروره بنبوَّة أخرى تُحرر أيام الأسبوع من سطوة الوقت.

الصباح الثقافي حطّ على تخوم مملكتها فكان معها هذا الحوار الشائق .

أيكما يسبق الآخر على الورق، أنتِ أم القصيدة ؟

القصيدة كائن مباغت يستغلّ كل لحظات الخوف و الفرح التي تجتاح الشاعر ،ويقفز فوقها بوقع هبوط قويّ ،تلك الحالة أسميها عمر الكتابة .أي زمنه أي وقت الطيران أي كيمياء الكائن الهلامي والجسد المنتظر والورق المنتفض تحت موجات هبوط وطلوع.

القصيدة سرعتها أقوى مما يتصور علماء الفضاء وبطؤها قبل القدوم أوجع من قلع ضرس كما يقول الفرزدق.

 هل لجؤكِ لقصيدة النثر كان ضروريًا لمخاطبة العالم بصوت يوازي دويّ انفجاراته ؟

الشعر كائن متحرك ومفاجئ،هو كائن اللاشكل، لا يعطينا فرصة اخضاعه لمقاييس قبلية سابقة أو نهائية.

أنا لا أختار شكل قصيدتي،وان كان السؤال فخًا لأشرح الفارق بين ما يسميه البعض قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة او العمودي فإني على موقفي الذي أكرر فيه ان التفعيلة نوع من الشعر أو امكانية من امكانيات الشعر وليست الأصل

زمن الكتابة أكون فيه داخل مختبر تكثر فيه الحرائق والخلطات العجيبة التي تغلفني ألوانها واشكالها وروائحها ولا استطيع ان اعرف اتجاهاتي الا والنص يشق طريقه الى الورقة البيضاء التي بدأت تسقط فوقها حرائقي وانفجاراتي.

لعل سؤالك أذكى مما أتصور فأنت أجبت داخله نيابة عني

دويّ انفجارات العالم دويّ ضخم وكثير الشظايا لذلك وحدها القصيدة المتحررة من القوانين والقواعد تستطيع ان تتحمل حمولته دون ترتيب أو تزويق أو صناعة.

الشعر لا يحتمل الصناعة والتوقف والاختيار والترتيب

هو حالات انفجار.

مايسمى قصيدة النثر هو نوع من أصوات الوعي الذاتي الحادّ، نحن لا نكتبها من فراغ هي امتداد لتقاليد وليس نسخ لها هي طريقة استكشافية للعالم والتفاصيل ،لا تستجيب لمخطط .

عرّف ت س اليوت «الشعر على أنه غياب النموذج وغياب القافية وغياب الوزن .”

كيف تكون القصيدة ابنة الريح والهوى بينما هي تخرج بللةً من رحم المعاناة ؟

تأتي القصيدة مما تفرزه علاقتنا بالعالم حولنا حسب ما أسميه مجسات التقاط تختلف بين فرد وآخر آداتنا في ذلك هي اللغة وهذه اللغة ريح عاتية تهب بمعانيها التي تلفح في كل فصل وطقس

إن اللغة جبارة وماردة  ليس لها حدود ولاتعترف بجوهر واحد. هي عالم الغيب والسحر والماورائيات والاحتمالات هي كتل من كلمات تفضي لضرورة اختراق المألوف فيها للجديد المخلوق الممكن وهذا هو قدر الشعر فيها ومعها لذلك ونحن نلهث في هذه المسافة الرهيبة التي أسميها مسافة تكوين يحدث هذا الصراع بين نطاقات هوائية رهيبة  تكثر فيها الرياح وتصبب عرق الركض إلى المعنى.

كلما اشتد حضور اللغة كلما اشتد غيابها

نحن في الكتابة نعارك المعنى نعارك الشعر الذي هو هو أخطبوط ضخم بمجسات قوية  تلتقطنا ثم تركلنا في دوامة أزل تبدأ بالشعر وتنتهي به.

يالها من دوامة ريح وشهيق.

هل ما تكونينه من سطوة وانكسار في الشعر مردّه لغياب ما تحاولين ترميمه على أرصفة المجاز ؟

لم تستطع اللغة أن تنقذنا يوما كما تقول سنية صالح ولكننا نحاول ان نتعايش معها بسلام رغم جبروتها

تحدث رامبو عن كيميائية الكلمة  فالكلمة في الشعر ليست نفسها في النص الروائي السردي  في الشعر المعنى مشرع على احتمالات لاتنتهي لذلك نكابد فيه اخفاء المعاني .

معجزة الشعر اخفاء معانيه كما يقول بول شاؤؤل اخفاؤها واستنطاق اخرى  اذ الشعر محمول إلى جدل  لا يمكن ان نعرفه او نعرّفه ليقنع كل متلق حسب حالاته.

المجاز اذا هو ما نحاول ان نخفيه او نتخفى خلفه لنباغت القارئ بما باغتتنا به اللغة .هذه اللغة المتكونة من كلمات كيميائياتها تختلف حسب الحالات والخلطات العجيبة التي تحدث زمن الكتابة

الشعر المشرع على احتمالات وطوابق ونطاقات يشعرنا عادة بالانتعاش العميق لانه يحتمل كل الاحتمالات

في كلّ مرة يقرأ فيها الشاعر نصّه ينتاب العالم حالة من الدوار والغثيان، هل لا زال للكلمة المقروءة كل هذا الوقع السخيّ رغم ما طرأ من تقدم تقني مطّرد ؟

يقول لويس بوخريس» ثمة نصوص تصحبك مثل قدر فهي تفعل شيئا فيك وبالتالي بمصيرك وهكذا تظل معك”

التكنلوجيا وتقدم تقنيات العالم لا تستطيع أن تفتكّ من الانسان هذه النشوة التي يحدثها فينا النص الابداعي الشعر قدر البشرية .

الشعر وحده يستطيع أن يحمل الانسان إلى المستقبل البعيد الذي يحلم به البشر

في الشعر يسافر القارئ إلى وجهة لا يعرفها ويستحب الضياع فيها شأنه شأن الموسيقى

الشعر إيقاع الروح داخل جسدها وهذا لا تستطيع أن تحققه التكنولوجيا.

“الشعر خميرة الحضارة» كما يقول بول شاؤول اذ «لا مفر منه في قائمة كل الحضارات والأزمنة”

ثمة مسافة قصيرة لكنها تقطع النفس بين الحب والحرب فكلاهما خطأ لغوي يبرره القاموس وفي نصّك الحب والحرب يشتملان على الأبعاد المؤدية لألم مشترك ! لماذا الشاعر يتغنى بآلامه ؟ أم ربما هي ورطة الشعر من تدفعه لكل هذا التعريّ المطلق ؟

لا يوجد خطأ في القاموس ،الخطأ حدث في ناموس العالم وفي عقول البشر .

الانسان صار مبرمجا على النقيضين في كل شيء خير وشر وحب وحرب  نور وظلام

تلك الراء التي فصلت بين الحب والحرب هي حرف الرجوع إلى ربوة لابد من اعتلائها لرؤية العالم الجميل.

الشعر والفنون وحدها قادرة على ذلك قال درويش هزمتك يا موت الفنون جميعها واقول هزمتك يا حرب الفنون جميعها.

الشاعر يتغنى بالحب ويصرخ في وجه الحرب لأنه لا يستسيغ عالم العنف.

التكنولوجيا والسينما الحديثة وألعاب الأطفال وبرامجهم كلها تسوّغ للحرب والعنف والقتل وحدها الموسيقى وفنون الانسان الاولى البريئة قاومت هذا.

يقول هايدجر» الشعر أكثر الأفعال حظًا من البراءة « ويقول هولدرلين «ما يبقى يؤسسه الشعراء”

الشاعر لا يستطيع أن يتخفى، تفضحه اللغة ويعريه صوته فيها

تلك هي الحالة الأولى التي شرحت بها رؤيتي في السؤال الأول.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق