أجتماعيألرئيسيةاستطلاعات

سكر ومخدرات وعربدة .. طرق شائكة للانحراف

مرايا اجتماعية

كتبت :  كوثر الفرجاني

معرفة المشكلات التي يعاني منها الناس، واحدة من الأساليب التي تستطيع بها طرق أبواب أي مجتمع، والدخول لمعرفة خباياه، وما يحدث داخل زواياه ومعايشة هموم فئاته الاجتماعية التي تنتمي إليه، وتشعر بمسؤولية المساهمة في إصلاحه، وقيادته نحو الاستقامة، ومعالجة مشاكله من منظور شامل، يستند إلى حقائق وتجارب، وأيا كانت مسببات الظواهر الشاذة فإن المجتمع يتقاسم المسؤولية مع الفرد في عملية الضبط الاجتماعي، انطلاقا من مؤسسة الأسرة، ولن ينفع الاكتفاء بالمعالجات الآلية السطحية، حيث لابد من الغوص في أعماق المشكلة ووضع الحلول لها باعتبارها أزمة مجتمع لا أزمة داخل نطاق الأسرة.

مشكلة انحراف البنات، طريق شائك لا تتوافر حوله دراسات أو معلومات، أو احصاءات منشورة – وإن وجدت – فإنها تحاط بالسرية ، خاصة فيما يتعلق بمصير الفتاة المنحرفة، وحتى مجرد التطرق لهذا الموضوع في الصحف مغلف ومشوب بالحذر والسرية ، وتابو من تابوهات المجتمع التي يصعب حتى تداولها، بسبب خصوصية مجتمعنا، لكن المفارقة أن تجد موضوع البنات متداولا ومطروحا في كل بيت، حيث تكثر المخاوف والهواجس على صعيد الأسرة من انحراف الفتاة ، ونجدهم يبحثون عن سبل لملء فراغها، ووقتها، أو القلق من انعزالها عن الأسرة ووحدتها التي قد تشوبها أحيانا علامات الشك ، خاصة مع عصر لم يعد فيه مكان لكتم الأخطاء، بل علينا أن نتجاوز حساسيات الأمور تجاه معالجة مشاكلنا، والبدء في معرفة أسباب الخلل، لعلاجها جذريا ، بعيدا عن العلاجات الوقتية والمسكنة.

عدم التوازن

عندما نتحدث عن الانحراف من منظور علم الاجتماع ونظرياته، فإن التعريف له بأبسط صيغة هو انعدام التوازن، في ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، ومن هنا نطرح التساؤل كيف نشأ انعدام التوازن في مجتمع عربي مسلم معتدل ومحافظ، ولكن يمكن لمس أسباب انتهاك الفتاة للمعايير الاجتماعية وبالأخص عند الحديث مع فتاة بالمرحلة المتوسطة أو الثانوية مثلا، حيث تقتصر الحياة لديها على المدرسة والفضائيات ومؤخرا الإنترنت وتوابعه، وفي حال عدم وجود أي أهداف أو طموحات لدي الفتاة، من الممكن أن تبني أو تستثمر شخصيتها، فإنها تنهي المرحلة الثانوية لتكمل الجامعة، وتبدأ في مواجهة مسألة الوقت الفائض والاختلاط بشرائح المجتمع.

لكن انتهاك المعايير الاجتماعية لا يمكن أن ينتج بين لحظة وأخرى، بل إن أسبابه تبدأ منذ الطفولة، التي يمكن أن نستعرضها في مقاربة مع الواقع، بطرح السؤال التالي : لماذا تنحرف الفتاة الليبية؟ وما الذي يدفعها أو قد يرغمها على الانجرار وراء الممارسات غير الاخلاقية؟ أو من مهد لها طريق الانحراف؟ أو ربما قذف بها ليلتقطها قطاع طرق أو منحرفين من الرجال؟ لماذا لجأت إلى التدخين وتعاطي المخدرات والمسكرات ومختلف أشكال المؤثرات العقلية؟ وهل تجرؤ فعليا الفتاة الليبية التي نشأت وترعرعت في وسط اجتماعي محافظ وبيئة محافظة في بلد كليبيا على تجاوز ورفض القيم الدينية والاجتماعية والعرف والعادات والتقاليد؟

كل هذه الاستفسارات وضعت في الاعتبار ووجهت لفتاة ليبية وقفت في هذا الموقف ، وكل ما يهمنا مع هذه الحالة بالذات – أن نستمع إلى إجابة لكل تلك الأسئلة من الفتاة مباشرة ودون وسيط، وأن تعطى لها فرصة بأن توضح لنا لكي تصارح وتفضفض وتعاتب… تقول ما تشاء ليس بهدف الدفاع عن نفسها ، ولكن لعرض الحقائق، ووضع اليد على الجرح، وترتيب الأولويات، ومراجعة السياسات الاجتماعية والتربوية على مستوى الأسرة أولا، بحثا عن أسباب وقوع فتيات يافعات في مستنقعات الانحراف بكل أشكاله، كالتفكك الأسري مثلا، وما قد ينتج عنه من طلاق ومشاكل أسرية، ورفيقات السوء والتأثر بالمسلسلات من خلال الفضائيات الهابطة والأفكار الدخيلة، وأخيرا ضعف الوازع الديني.

ضحايا وقضايا

عندما يحدث انفصال وطلاق بين الأم والأب، ويغيب الأب تماما عن حياة ابنته – بعذر أو بلا عذر – حتما ستقع الفتاة وتصبح بلا موجه، ضائعة بلا مدبر، وبلا مراقب ومحاسب، وتتأثر بكل ما من شأنه أن يجعلها لقمة سائغة للانحراف، فأكثر الفتيات يفتقدن الحنان بسبب الطلاق أو التفكك الأسري، حيث يصبحن صيدا سهلا للمغريات ويقعن في المحظورات.

ولدينا قصص من الواقع نرويها ، ونتعايش معها،

أميرة، فتاة تبلغ من العمر 20عاما ، فتحت عينها داخل أسرة مفككة، حيث انفصل أبواها منذ الصغر ، ورفض والدها رعايتها وتنصل عن مسؤولياته حيالها، فكبرت بعيدا عنه، وكانت أمها تدللها ظنا منها أن هذا هو الأسلوب الوحيد لتعويضها عن غياب أب لم تره أميرة ولا تعرف ملامحه، بدأت المأساة عندما أصبحت أميرة تخرج من البيت دون إذن، فجأة تكتشف الأم أن ابنتها ليست بالمنزل، وبدأ مشوار التمرد على الأم، والجدة، وعرفت أميرة الشارع لأول مرة، ولم تكن الأخيرة، وتدهورت علاقتها بأخوالها، وتكرر رسوبها في المدرسة، وانزلقت قدمها في دروب لا يمكن وصفها من الضياع والانحراف مع زيادة تعرفها على الشباب.

جاءت أمها إلى مكتب الشؤون الاجتماعية جنزور تجرجر أقدامها من الهم الذي قصم ظهرها، وكسر قلبها، لتروي لنا قصة انحراف وحيدتها وانجرافها في طريق الانحراف، وغيابها المتكرر عن البيت ، وتورطها في قضايا أخلاقية، وصلت لضبطها من قبل لجنة مكافحة الجريمة جنزور متلبسة في حالة سكر وتعاطي مخدرات، في بؤرة فساد ووكر مشبوه.

انحراف أم انجراف !!

لمعرفة المزيد من هذه التفاصيل تواصلنا مع السيدة نوارة سالم كرواط، الحاصلة على ماجستير قانون جنائي ورئيس فرع الشؤون الاجتماعية جنزور، التي جلست مع الفتاة ووالدتها، ودرست التفاصيل عن قرب،والتي قالت :

– من المؤسف أن يصل وضع الفتاة الليبية إلى ما وصل إليه حال هذه الفتاة التي جنت على نفسها، وحرقت قلب أمها، لقد حاولنا أن نعالج الموضوع داخل مكتب فرع الشؤون الاجتماعية بالمنطقة من خلال تواصل مكتب مكافحة الجريمة معنا، وجلسنا مع الحالة بحضور أمها لنضع حدا لحياة الانحراف والضياع التي تعيشها هذه الفتاة، حتى أمها رفضت استلامها، لرفض أقاربها واخوالها حتى التعامل معها أو مساعدتها،

فهي متورطة في قضايا أخلاقية، وتم ضبطها في أكثر من استراحة ومزرعة وهي في حالة سكر وتعاطي مخدرات، واستخدامها في عمليات سطو على السيارات التي زادت خلال الآونة الأخيرة جهة كوبري27.

وأضافت الأستاذة نوارة كرواط :

– إن أهم أسباب انحراف الفتيات غالباً انعدام الحوار والتواصل بين الفتاة والأسرة، ليس بالضرورة بسبب التفكك الأسري، معظم الدراسات تشير إلى أن عددا كبيراً  من البنات المعرضات للانحراف أو المنحرفات أتين من أسر كاملة الأب والأم موجودين معاً في أسرة مكتملة الأطراف، إذن للأسف لا يوجد استقرار أو لا يوجد شعور بالأمان، انعدام المتابعة والمراقبة خصوصا، وانعدام نموذج القدوة، لا يوجد مفهوم الأب أو مفهوم الأم، إضافة إلى عدم وجود من يتحاور مع هذه الفتاة، يستمع لمشاكلها مثلاً، فوجود هذه الفجوة أو الهوة بين الأسرة وبين الفتاة هو الذي يبدأ بزرع الجذور للميل للانحراف، وأيضاً معظم الدراسات أيضاً تشير إلى انخفاض المستوى التعليمي لدى هؤلاء البنات، يعني أن معظم البنات يتوقفن عند المرحلة المتوسطة إذا أكملن المرحلة المتوسطة، مما يدل على إهمال الأهل لمتابعة المستوى التعليمي.

وحول مصير أميرة تقول :

– تدخل العديد من المختصين في وزارة الشؤون الاجتماعية وحاولوا التعامل مع هذه القضية من ناحية إنسانية، وأمنية يحافظ على مستقبل هذه الفتاة، لكن الأمر خرج عن نطاق قدرة الوزارة في ظل رفض بعض الجهات الأمنية قبولها وبالأخص مؤسسات الإصلاح والتأهيل بحجة عدم قدرتهم على تحمل مسؤوليتها في ظل الأوضاع الراهنة للبلاد، ولا يمكن وضعها في دار البنات بسبب تعاطيها المخدرات وسلوكياتها العدوانية والمنحرفة، وأهلها وأمها تحديدا ترفض استلامها لأن أخوال الفتاة رفعوا أيديهم عنها ورفضوا استقبالها حيث تعيش الأم، وسبق وأن هربت من مكتب الجهة الأمنية وسببت مشاكل لا تعد ولا تحصى لهم، وليس أمام المعنين إلا التصرف معها كمتهمة وتجريمها وتحويلها للجهات المختصة للنظر فيها، وإلا لم يبق أمام الفناة إلا الشارع لتعود إليه.

أطفال وإهمال

طفلة لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها، في ساعات متأخرة من الليل يتم القبض عليها وهي في الشارع في وضع مخل بالآداب والأخلاق العامة، وعند سؤالها عن حقيقة وضعها وأسرتها، تقول أن والدتها تجبرها على الممارسات غير الأخلاقية مع رجال، فهربت من المنزل، ونظرا لصغر سنها تم تحويلها للجنة العليا للطفولة التي قامت بصفتها الاعتبارية كلجنة مختصة بشؤون الطفولة في ليبيا، ونظرا لصغر سن الفتاة، تم التحفظ على الفتاة، والتعامل معها بسلاسة لمعرفة التفاصيل الحقيقية لهذه الفتاة الصغيرة التي جرفها تيار الانحراف للشارع، وبعد أسبوعين من التحقيق معها أتضح أن الفتاة غرر بها من قبل شاب فهربت من البيت ، وعند سؤالها عن أمها اعترفت أن كل ما قالته هو كذب لتبرر هروبها من بيت الأسرة مع الشاب الذي غرر بها، وبعد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والكشف على الفتاة للتأكد من عذريتها، قامت اللجنة العليا للطفولة باستدعاء الأم التي شرحت لهم كل تفاصيل القصة التي تتمحور حول فتاة صغيرة تبحث عن الحب خارج أسوار منزل الأسرة، لأسباب لا داعي لذكرها، لأنها في الغالب تتكرر مع كل قصة انحراف لفتاة مغرر بها ، أو فتاة عرفت طريق الشارع.

قصص تجسد واقع أليم تعيشه الكثير من الأسر في مجتمعنا، ومن هنا يأتي السؤال عن دور الأسرة والمدرسة في صقل شخصية الفتاة، حتى لا نلوم فقط الفتاة التي تكسر القواعد الأخلاقية لمجتمعها بسبب عدم شعورها بدورها كفرد له أهميته داخل محيطه ومجتمعه، في ظل مؤسسات التربية داخل المجتمع مثل الأسرة والوسائل الإعلامية تقاعست عن دورها التربوي بحيث أصبحت الفتاة لا تنمو تربويا ولا أخلاقيا، لأن المدرسة أصبحت في كثير من الأحيان تلعب دورا سلبيا بسبب تأثير الأصدقاء على بعضهم البعض فالانبهار بجمال الحياة والعلاقة العاطفية، وخاصة للفتيات في سن المراهقة يتعدى في أحيان كثيرة حدود مجرد التعرف بشاب إلى ارتكاب كثير من الجرائم لإشباع الحاجات، وماذا نقول عن بلد انتفى فيها القانون وجهات مسؤولة لا تقوم بواجبها لتنتشر الجريمة والانحراف كانتشار النار في الهشيم؟!!!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق