الأخيرةرأي

 سـيدي خـليفـة 2

حـديـث الثـلاثــاء

مفتاح قناو             

في ستينيات القرن العشرين كان شارع سيدي خليفة هو مركز محلة (شارع البي)، ويتفرع منه زقاقا طويلا يسمى (زنقة حمامة) لا احد يعلم سبب تسميته بهذا الاسم، ويربط الزقاق الطويل بين شارع محمد بن علي السنوسي شمالا (والذي سمي فيما بعد شارع الجمهورية) حتى يصل جنوبا إلى باب عكاره.

من أهم معالم الزقاق دكان عمي ميلود الزاوي، ذلك الزاوي الأصيل الذي لم يتخل عن زاويته، فرغم إقامته في العاصمة لسنوات إلا أن عباراته باللكنة الزاوية لازالت تثير شغف الأطفال المشاكسين، الذين يتجمعون للعب في الوسعاية بين دكانه وورشة النجارة المقابلة له، يضيق ميلود الزاوي بضجيج الأطفال فيخرج من دكانه ليطردهم بعيدا عنه.

بعد أن كبر قليلا تعلم الخروج إلى منتصف الزقاق، حيث يلعب مع بعض اقرأنه عند تقاطع الزقاق الطويل مع الشارع الوحيد المرصوف في المحلة، والذي كان يراه ـ في طفولته ــ واسعا فخما، في ذلك المكان تنتهي بالنسبة له مظاهر الحياة الشعبية، ويبدأ من هناك  نمط التعامل الرسمي مع الحياة ، فعلى الطرف الأخر من الشارع توجد شركة (المستر كوتش) لصناعة وبيع البراميل، أما إذا انحرف يمينا ودخل لشارع سيدي خليفة سيجد مباشرة عن يمينه معمل الرعوبي للحلوى، وعلى بعد خطوات قليلة على اليمين أيضا  يوجد قصر الكونتيسا بجدرانه العالية .

قصر الكونتيسا رمز غامض  لفترة استعمارية حالكة، يحيط فناءه الداخلي بعض الأشجار العالية، ونخيل الزينة المرتفع، يقابل القصر على الطرف الأخر من المحلة  مئذنة (الشيخة راضية) ومسجدها المعروف.

تنائيه نسائية غريبة تسيطر على محلة شارع ألبي، بل هو تقابل مثير للمرأتين الكونتيسا الايطالية و الشيخة راضية العربية المسلمة ولكل من المرأتين مريدوها، ففي ذلك الزمن كان يتردد على قصر الكونتيسا الايطالية كبار أبناء الجالية الايطالية والمقيمون الأجانب، لكن القصر الخالي حاليا يلفه الصمت، ويطبق عليه السكون، بينما رواد (الشيخة راضية) لازال اغلبهن من النساء طالبات الحاجة وقد أعيتهن الحيل، لحل مشاكلهن، منهن من ترغب في الإنجاب، وتلك التي لا تستطيع الذهاب إلى المستشفى العام، وغيرها من تتحرج من الحديث عن ما لديها من مشاكل، وتُبقي آلامها وأوجاعها سرا لا يذاع.

الكونتيسا عاشت حياة البذخ في قصرها ثم رحلت، و الشيخة راضية أمرت ببناء المسجد وتركت ما يكفيه من نقود ولكنها أيضا رحلت باتجاه الحجاز في رحلة للحج لم تعد بعدها، وبقى الفضاء بين القصر والمسجد ملعبا لأبناء المحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى