منصة الصباح
طارق القزيري

سردية الخلاص: سيف الاسلام حين لا تكفي المظلومية

طارق القزيري

سيف الاسلام القذافي لم يكن، في جوهر الظاهرة، “خلاصا” بقدر ما كان “وعدا بالخلاص” جرى تسويقه داخل فراغ ليبي عميق: فراغ دولة، وفراغ نخبة، وفراغ أفق. هذا الفارق هو بيت القصيد.

الوعد قد يتغذى على غضب الناس من الفوضى، وعلى حنينهم الى انتظام مفقود، وعلى رغبتهم في عقاب طبقة سياسية فاشلة. لكن الخلاص الحقيقي يحتاج ما هو أبعد من الرمزية: يحتاج قدرة، ورؤية، ومسارا، ومشروعية قانونية وأخلاقية متماسكة.

• قدرات شخصية محدودة

الانطلاق من “قدراته الشخصية” يكشف جانبا بنيوياً من الاشكال: لم تتبلور خلال سنوات حضوره في ظل سلطة ابيه صورة رجل دولة استثنائي. نعم، تكررت شهادات عن هدوء وخلق، لكن هذه صفات اجتماعية، لا مؤهلات حكم.

في المجال السياسي الهدوء ليس بديلا عن البصيرة، والخلق ليس برنامجا للدولة. ومن يطلب “الخلاص” يحتاج ان يرى دلائل على ادارة، وتفاوض، وبناء مؤسسات، وتحمل كلفة القرار، لا مجرد صورة “الوريث المختلف” مقارنة بصورة الاب. ثم تأتي التجربة السياسية المبكرة، حيث يظهر ضعف التقدير لا كخطأ عابر بل كخط منهجي.

 • وهم احتواء القوة المضادة

الانفتاح على الاسلاميين، ونحصر هنا “الاخوان المسلمين” لم يكن مجرد “حسن نية” تجاه خصم محلي؛ كان قرارا ذا نتائج استراتيجية في بلد هش البنية المؤسسية.

فالسماح لهم بالعمل كتنظيم، لا كأفراد، في سياق دولة بلا احزاب مستقرة ولا نقابات قوية ولا مجتمع مدني متوازن، منحهم ميزة تنافسية حاسمة: تنظيم ممول، وشبكات تضامن، وخبرة عمل سري/شبه سري، في مقابل فضاء عام بلا قواعد.

بعد فبراير، حين انفجرت السياسة بلا دولة، تحولت هذه الميزة الى قوة مادية داخل الحكومات والاعلام والادارات.

هنا يصبح السؤال قاسيا: هل كان هذا سوء تقدير سياسي فقط، ام افتقادا لحس الدولة نفسه؟ لأن رجل الدولة حين يفتح المجال، يفتحه ضمن شروط توازن ورقابة وقواعد لعبة واضحة. أما فتحه بلا شروط، فهو تفويض مجاني للقوة الأكثر تنظيما، بصرف النظر عن كفاءتها.

• الوجه الثالث للمسالة هو التواصل السياسي.

الظهور المتأخر لسيف، القليل والمتباعد، لم ينتج خطابا يعرف نفسه بوضوح: من انت سياسيا؟ ما تصورك للمرحلة الانتقالية؟ كيف تتعامل مع السلاح، ومع المصالحة، ومع الاقتصاد، ومع العدالة الانتقالية؟ بدل ذلك، غلبت لغة الانتقاد العام للوضع القائم.

النقد وحده لا يبني شرعية؛ قد يلتقط مزاج الشارع لكنه لا يقترح عقدا اجتماعيا قابلا للاختبار.

والأخطر ان ضعف التعريف يُعوض غالبا بزيادة الغموض، والغموض في بلد مجروح ليس “حكمة”، بل وصفة لتعدد التأويلات ثم لتعدد الصدامات.

لكن اكثر ما يضرب فكرة “الخلاص” هو التناقض بين الادعاء الحداثي وسلوك الشرعية. لا يمكن لمن ينادي بدولة حديثة ان يطلب العدالة كقيمة مجردة، ثم يرفض منطق القانون حين يصبح هو موضوعه.

 • قانون على مقاس وبحسب الحاجة

الشرعية الحديثة ليست عاطفة، بل اجراءات: مثول، دفاع، محاكمة عادلة، قبول نتائج القضاء او الطعن عبر آلياته. التذبذب بين رفض محكمة الجنايات الدولية ثم الانقلاب الى رفض الاختصاص المحلي (او استخدام احد المسارين نكاية في الآخر) لا يوحي برؤية دولة، بل يوحي بتكتيك نجاة. وتكتيك النجاة، مهما بدا مفهوما انسانيا، لا يؤسس لثقة سياسية.

هنا نصل الى النقطة المبدئية التي تريد تثبيتها: استنكار الاغتيال السياسي والتصفية الذرائعية يجب ان يكون موقفا اخلاقيا مطلقا، لا يتغير حسب هوية الضحية. الاغتيال ليس “حلا”، بل اعلان افلاس للقانون، وفتح لباب ثأر لا ينغلق.

لكن في الوقت نفسه، من الخطأ القاتل تحويل هذا الاستنكار الى “تفويض شرعية” للضحية. المظلومية لا تنتج صدقية تلقائية، لان السياسة ليست محكمة تعاطف، ولان التاريخ مليء بضحايا كانوا، في مواقع اخرى، صانعي ظلم او شركاء فيه.

الظلم قد يفسر تعاطفا إنسانيا، وقد يفرض حماية للحقوق الاجرائية، وقد يوجب رفض الانتقام. لكنه لا يمنح حصانة اخلاقية ولا يطهر الماضي ولا يصنع برنامجا للمستقبل.

ان تُقتل او تُلاحق او تُظلم، هذا لا يجعل افكارك صائبة تلقائيا، ولا يجعل مشروعك صالحا، ولا يحولك الى “منقذ”. الخلاص لا يولد من خطيئة الخصوم، بل من كفاءة المشروع.

ومن يطلب شرعية سياسية عليه ان يقدم اكثر من سردية “انا ضحية”: عليه ان يقدم رؤية قابلة للمساءلة، والتزاما واضحا بالقانون، واستعدادا لدفع ثمن العدالة حتى حين تكون موجعة له شخصيا.

بهذا المعنى، يمكن الجمع بين موقفين دون تناقض: نعم، الاغتيال السياسي مدان مبدئيا. ونعم ايضا، المظلومية وحدها لا تمنح شرعية سياسية ولا صدقية اخلاقية تلقائية. الشرعية تُبنى، لا تُورث ولا تُستدر، وتُقاس بما يقدمه المرشح للدولة، لا بما ارتُكب ضده من خصومه.

ليس السؤال إذن: هل ظُلم سيف الإسلام أم لا؟ فالإجابة لا تغيّر شيئاً في معادلة الشرعية. السؤال الحقيقي: هل كان يملك ما يقدّمه لدولة تتجاوز أباه وتتجاوزه؟

وحتى رحيله، لم يقدم رؤية مُعلنة، ولا التزام بقانون لا يُفصَّل على المقاس، ولا مشروع يُختبر ولو نظريا. والبلد الذي دأب على انتظار منقذ ما، سيبقى ينتظر للأبد مالم يكفّ عن الانتظار، بالذات.

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

بين السيادة والتسليم.. لا جريمة دون ملاحقة قضائية

أثارت قضايا تسليم متهمين ليبيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية جدلًا قانونيًا وسياسيًا وشعبيًا واسعًا، يتعلق …