عبدالله الزائدي
في منتصف الثمانينيات، وبينما كانت أجهزة الراديو في ليبيا تضج بأغاني “ما يطلبه المستمعون” التقليدية، قرر الاديب و القاص الليبي الشاب سالم العبار أن يقلب المعادلة، لم يكن يريد من الجمهور أن يطلب لحناً عابراً، بل كان يدعوهم لشيء أعمق، أن يمنحوه أصواتهم المكتوبة، هكذا ولد برنامج “ما يكتبه المستمعون”، ليكون الشرفة التي تنفس منها جيل كامل .
من الأثير إلى الوجدان
لم يكن العبار مجرد كاتب واديب وصحفي قرر أن يعد برنامج اذاعي ، بل كان مرشدا يدرك أن الموهبة الخام تحتاج لثقافة النقد والتدبر، بصوت الراحل عبدالله عبدالمحسن ومقدمة عفاف عبدالمحسن الشهيرة عن “الريشة المغموسة بمداد الحياة”، تحول البرنامج إلى مؤسسة ثقافية متنقلة عبر الأثير. نجح العبار في تحويل النثر والشعر والقصة من مجرد محاولات فردية إلى مادة للنقاش النقدي الجاد، مما خلق ذائقة أدبية رفيعة لدى جيل التسعينيات الذي صار العبار عرّابه بامتياز.
مشروع “النهر” الثقافي
طموح العبار لم يتوقف عند حدود ميكروفون الإذاعة؛ بل نقل التجربة إلى شاشة التلفزيون عبر “النادي الأدبي”، محولا القصص إلى سيناريوهات حية، وصولا إلى تأسيس أول مهرجان وطني للمواهب الأدبية في ليبيا “مهرجان النهر لسنوات 94، 95، 96 . كان العبار يرى في الموهبة الشابة “مشروع دولة”، فقدم للساحة أسماء تشكل اليوم أعمدة الأدب الليبي، من أمثال رامز النويصير ووجدان عياش وصالح قادر بوه.
شعلة لا تنطفئ
رغم توقف البرامج الإذاعية في منتصف التسعينيات، ظل العبار وفياً لرسالته عبر رئاسته لتحرير صحيفة “أخبار بنغازي”، فاتحاً أبوابه لكل قلم واعد. واليوم، وبينما يغيب الدعم الرسمي وتتوارى المؤسسات، يبقى سالم العبار مرابطاً عند ثغور التنوير، حاملا شعلته بمفرده، ومثبتاً أن “العرّاب” الحقيقي هو من يصنع الأجيال لا من ينتظر التصفيق. إنه كلاسيكية ليبية حية، وقصة نجاح كتبت بمداد الإصرار.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية