حمزة جبودة
علاقة السينما بالسياسة علاقة شائكة، ومهما كانت الأعمال السينمائية أقرب إلى الحقيقة، تبقى هذه الأعمال المأخوذة من سير ذاتية أو روايات أو حتى شهادات حياتية صاخبة، أعمال انتقائية، تعكس رؤية المنتج والمخرج وصُنّاع العمل السينمائي.
وكل فيلم ينتمي إلى عالم السياسة، هو فيلم يحمل رؤية ورسالة سياسية بالدرجة الأولى، بغلاف سينمائي.
فيلم “ساحر الكرملين” The Wizard of the Kremlin ينطبق عليه ما ذكرناه ، لكونه عمل سينمائي يرصد مرحلة مفصلية وجدلية لروسيا قبل وبعد السوفيات، ويفتح أبواب السلطة والنفوذ من قلب مكتب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رجل المخابرات، الذي أخطأ الأوليغارشيون أو الطبقة المسيطرة، في تقدير إمكانيات هذا الرجل الذي أزاح الجميع وصنع دولة بمعاييره الخاصة دون أي تدخل من أحد، باستثناء “فاديم بارانوف”!

روسيا لها تاريخ ومراحل معقدة، يصعب اختزالها في عمل سينمائي يتم إظهاره على كونه مرجعية بصرية وفنية للتجربة الكاملة بكل تقلباتها السياسية والفكرية.
روسيا كموقع جيوسياسي على خارطة العالم، هي دولة تعيش على خطى التاريخ وأحلام مؤجلة عن العودة إلى مسرح الحاضر والتنافس اللا نهائي في كل شيء تقريبًا، مع العدو السابق والحاضر، الغرب وعلى رأسه أمريكا.
لتبسيط الأمر، يكفي فقط أن نعرف أن الفيلم المستند إلى رواية تحمل ذات اسم الفيلم، لجوليانو دا إمبولي وهي صادرة عن دار غاليمار الفرنسية.
وهذا يكفي لنعرف وجهة النظر الغربية المحددة والمعروفة عن روسيا كتاريخ وحاضر. وهنا لا نُشكك في الرؤية الأدبية أو الفكرية ونتهمها بالتزوير أو بتغيير الحقائق، نحن فقط نحاول أن نكون أكثر وعيًا بالصراع التاريخي.
فما بالكم إن تداخل الأدب مع السياسية ثم قام بشراكة مع السينما.
ومع من؟ شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجدلي بكل المقاييس، لمن يراه زعيمًا أعاد الثقة لهيبة روسيا، ولمن يراه ديكتاتور وقاتل وعدو للحريات العامة والفردية.
عزلة غامضة لشخصية جدلية:
يفتتح المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، فيلمه، بمشاهد لشخصية غامضة ومؤثرة “فاديم بارانوف”، قام بدورها الممثل الأميركي بول دانو.
يعيش فاديم في عزلة، بعد سنوات قضاها مع الرئيس بوتين. وهذه العزلة لم تمنع “فاديا” من معرفة كل ألعاب السياسة وكواليسها حتى بعد انسحابه من عوالمها.
فهو القاريء الفذ وذو شخصية هادئة ومستقزة في أوقات أخرى.
لكن الجانب الأخطر في هذه الشخصية، الذي يظهرها الفيلم، هو قدرته الرهيية في تغيير ملامح روسيا الجديدة، إلى درجة أن المرء قد يعتقد للحظة، بأنه هو العقل الحاكم للدولة لا بوتين. فكل شيء تغير بفضله، الإعلام والعلاقات السياسية، وإدارة الأزمات الداخلية والخارجية، إلى مساهمته الفعّالة في إنهاء وجود الأوليغارشيون، وإفساح المجال لبوتين للسيطرة المطلقة على روسيا.
الروس الجدد وبوتين
عدّة اضطرابات ومراحل اعتمد عليها الفيلم، في رؤية إخراجية أقرب للعروض المسرحية، بدأها وأنهاها بفصول تاريخية، بدأت مع “الروس الجدد”، ومن ثم “هيكل السلطة العمودي”، بعدها “نهاية الأوليغارشيون”، يليها “الثورة البرتقالية”، و”وكالة أبحاث الانترنت” و”الحرب في القرم” وختامًا “فلاديمير فلادميروفيتش”.
بداية نهاية العلاقة بين بوتين والأوليغارشيين، تنبأ بها فاديم، في ثاني لقاء مع بوتين، في جلسة غذاء عمل، كشف فيها بوتين عن آراءه وفلسفته في إدارة روسيا. لم يخفي بوتين امتعاضه من بيريزوفسكي، وهو يعرف تمامًا علاقة ضيفه بهذا الملياردير. وهو يقول بكل وضوح: لا يمكن لرئيس روسيا أن يأخذ تعليماته من الآخرين.
مشهد ينتهي بصدمة وبداية فعلية لصعود فاديم، من عوالم المسرح والإعلام إلى عالم السياسة والكرلمين.
ملامح فاديم بارانوف الصادمة بعد خروجه من لقاء بوتين، سببها بأنه أصبح متأكدًا تمامًا أن الرئيس الجديد، سيتخلص من كل الأوليغارشيون، وعلى رأسهم الملياردير وصديقه الذي كان سببًا في افساح المجال لبوتين من الانتقال من مكاتب الكي جي بي إلى مكتب الرئيس، قائلا لنفسه: أيقت في الحال، أن بيريزوفسكي ارتكب أكبر خطأ في حياته!
من تلاعب بمن.. الأوليغارشيون أم بوتين؟
سؤال لا يحتاج إلا إلى الغوص في عالم فلاديمير بوتين، أو العقلية التي كانت هادئة وزاهدة في ظاهرها أمام الطبقة المتحكمة في الاقتصاد والسياسة والإعلام. وهو الخطأ الذي قدّمه الفيلم كبداية لحل السؤال، وكنقطة مفصلية في حياة بوتين الشخصية والسياسية والأمنية.
وكأنه يضع اللوم أو يضع إشارة محددة على من تسبب في صناعة رئيس لا يغفر لأحد حتى من ساعده يومًا ما أو من دعمه على ضرب خصومه التقليديين أو من أصبحوا من بعدها.
صانع الرئيس بوتين
لو رأينا الفيلم برؤية سينمائية وفكرية، هو يعتبر أقرب للمرجعية السياسية لعالم الزعماء، قادة الدول. وكيف تتم صناعة الزعيم عبر مسارات وخطط يتم تنفيذها وِفقًا لأي حدث أو طاريء، لا يهم فيها النتائج العامة، بل صورة الرئيس فقط.
ولو على حساب كل شيء
فاديم بارانوف، في الفيلم، هو شخصية وهمية في ظاهرها، لكنها حقيقية إن راجعنا قليلا ملامح روسيا مع بدايات القرن الحادي والعشرين، وسنكتشف أنها لشخصية فاعلة ومقربة من دوائر الحكم ومؤثرة إلى حد كبير جدا، على بوتين وسياسة روسيا. فلاديسلاف سوركوف، المعروف عنه بأنه العقل الحاكم لروسيا.
فاديم في الفيلم، هو ساحر الكرملين أو الرئيس الظل. من خلاله تبدأ الاستراتيجيات في إدارة صورة الرئيس إعلاميًا إلى التأثير في اتخاذ قرارات مصيرية سياسيًا. هو المرجعية الوحيدة القادرة على تغيير كل شيء، بدعم كامل من الرئيس.
خطورة فاديم كعقلية، أنه لا ينظر للغرب بنظرة تقليدية سوفيتية، بل بنظرة واقعية قد تجعل البعض يراها متقاربة مع الرؤية الغربية، لكن أهدافها تتلخص في تنويم الصراع التاريخي والتقليدي، واستبداله بصراع جديد بأسلحة متطورة لا تعتمد على تسليح الجيوش، إنما بدعم والتركيز على المحتوى الإعلامي عبر مواقع التواصل والمنصات المتاحة على الإنترنت.
تغيير الصورة النمطية لروسيا، ليست مهمة سهلة ولا مستحيلة، ولكن نتائج اقتحام هذه المغامرة، ستكون ذات وجهين، كارثي أو إيجابي. تغيير صورة روسيا السوفياتية.
مهمة مستحيلة بمعايير العقلية السائدة. والأهم من كل ذلك، أن قرار التغيير في حد ذاته يعتبر هزيمة للمتشددين الروس الذين يرون أن الغرب لهم نظرة واحدة اتجاهم لن تغيير أبدا. ومن بين هؤلاء، الرئيس نفسه.
ينقلنا الفيلم إلى مشهد لأول زيارة خارجية للرئيس بوتين إلى جلسات الأمم المتحدة، يظهر فيه الرئيس وهو خارج من مقر إقامته وعندما وصل باب، تم إيفاقه من خلال رجال الأمن الأمريكي.
هنا يسأل بوتين فاديم، ما الذي يحدث؟
يجيبه، سبب الإيقاف، هو أن موكب الرئيس الأمريكي تحرك، وحين يتحرك، يتوقف كل شيء. هنا قرر بوتين أن لا يتساهل مع هذه الإجراءات وأن يُرسّخ في أذهان الإدارات الأمريكية للبيت الأببض، بأنه رئيس روسيا العظمى التي لا تهتم بأحد ولا تتسامح مع أيً كان، وإن كانت أمريكا.
بوتين يعود بعد هذه الزيارة إلى موسكو بمزاج غاضب مع مضاعفة رغبته في تنفيذ ما يلزم لإيصال رسالة للغرب بأنه لا يرى أحد منهم، ولا يحترم ولن يتسامح مع أي زعيم غربي يعارضه، بكل ما يلزم، بحروب أو بدعم صراعات إقليمية تضرب مصالحهم الاقتصادية.
ومنها تبدأ سلسلة من الأحداث التي تكشف كيف انسحب فاديم بارانوف من عالم بوتين إلى بيت منعزل يعيش فيه بعيدًا عن صخب وعوالم الصراعات داخل الكرلمين، وخارجه، مدعومًا بأسباب خاصة لم تُعجب القيصر وأدّت بعدها إلى حدث صادم اختار الفيلم أن يكون خاتمة طبيعية لواقع غير طبيعي، في دولة لم تكن يومًا دولة طبيعية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية