الأخيرةرأيسعاد الوحيدى

روزا قرقيزستان

دفق

بقلم / سعاد الوحيدي

كانت روزا لوكسمبورغ تتصدر تصوري عن عنفوان المرأة الصانعة للتاريخ، قبل أن تنافسها روزا غرقيزستان، الثائرة المسلمة، التي صنعت الحدث في مطلع هذا القرن. والتي أسست لسابقة سياسية بإمتياز في التاريخ المعاصر، وقد قادت، أبعد من تزعمها لثورة السوسن الثانية، (في ثاني اصغر جمهوريات تركستان الغربية الخمس)، مرحلة الحكم الانتقالي الأقصر، في تاريخ الثورات.

روزا العظيمة أعادت لدائرة الضوء هذا البلد الأسطورة المجبول من نار ونور، ومن جبال وماء، وتاريخ  ضارب في أعماق الماضي بحجر من أساطير.

والذي أستند حاضره كذلك  لكثير منها، علّ أهمها قصة تحول القرغيز أنفسهم من الشمانية الى الإسلام .

يورد توماس أرنولد في “تاريخ الدعوة”، ذلك كمثال عن أول دولة مسيحية ساهمت في القرن الثامن عشر في نشر الإسلام . حيث إن روسيا – والتي عادت اليها أرض القرغيز بعد معاهدة عام 1864 مع الصين- أعتقدت أن القرغيز الذين يشبهون التتار هم مسلمون مثلهم، وعاملتهم وفق ذلك: “يدين القرغيز، بدخولهم الإسلام إلى هذه الحقيقة، وهي أن الروس الذين اعتبروهم مسلمين، أصروا على معاملتهم كما لو كانوا كذلك، وقد مُنحوا الأموال الضخمة لبناء المساجد، وأُرسل عدد كبير من العلماء لإنشاء المدارس وتعليم الأطفال مبادىء الإسلام”.

ثم ستساهم  سياسة “المدن المُضافة” السوفييتية، في توسيع رقعة أرض القرقيز.

حيث لم تكن طبيعة قرغيزستان الجبلية، تسمح بتبلور نمط مدني متواصل للاستقرار، (93 ٪‏ منها جبال، سلاسل تيان شان شمالاً، وسلاسل ألاس شديدة الارتفاع جنوباً، يتوسطهما سهل ضيق يتصل غرباً بسهول وسط آسيا). التضاريس التي بقدر ما تسمح بالتفرد والقوة، إلا أنها تعيق نشوء المدن المتصلة. فتمت إضافة بعض من الأراضي السهلية  لقرقيزستان، وألحقت بها مدينة “أوش”، و”جلال أباد” و”باكتين” في الجنوب. وواحة “بشكيك” في الشمال، التي صارت العاصمة.

الحدث الاخر الذي سيتدخل  إيجاباً في ترسيخ الهوية الإسلامية للقرغيز من جهة، ولكن أيضا لخلق ارهاصات  فشل إدارة شؤون دولة وفق اقتصاد أحادي، وتجذر الفروق المعيشية بين المناطق، وهو  أختيار هذه الجمهورية لتكون “مزرعة الاتحاد السوفياتي”. الأمر الذي جدّرهشاشة تأثير السياسة التعبوية الشيوعية، التي تفترض تطور الطبقة العاملة الصناعية، كأرضية للنضال العمالي وديكتاتورية الطبقة. وحيث إن المناخ الزراعي أو الرعوي لم يكن يسمح بتحقيق ذلك، تملص القرغيز من ضغط  تلك البرامج التعبوية.غير إن العزلة التي كانت تفصل الشمال عن الجنوب، ستتحول مع الزمن إلى عزلة اقتصادية وسياسية واجتماعية ذات مؤشرات ونتائج عاصفة.

وهي ما حاولت كسره ثورة السوسن الأولى، التي رفعت إلى سدة الحكم “كرمان بك باكاييف”، أول رئيس جنوبي اختاره الشعب.

غير أن البلاد سرعان ما ستشهد  ثورة السوسن الثانية، التي اقتلعت “باكاييف” لخذلانه لانتظارات الناس، وأرتقت بروزا أوتونباييفا لكرسي رئاسة السلطة المؤقتة، لتصنع أسطورة نسوية إستثنائية لمسار الحكم الصادق مع الشعب. فالجديد الذي أتت به هذه الزعيمة المسلمة، هو صدقها في قيادة المرحلة الانتقالية، نحوالدولة، التي من شأنها أن تستجيب لانتظارات الشعب، وتحقق أسس العدالة الاجتماعية.

حيث أكدت، ومنذ استلامها السلطة، على أنها لن تستمر في الحكم لأكثر من ستة أشهر، تشرف خلالها على وضع مسودة الدستور الجديد، والإعداد للانتخابات الرئاسية.

وأن كونها امرأة، لن يمنعها من قيادة الخيار الأفضل لمصلحة الشعب، بل لعلها الأقرب اليهم كأم وابنة ومن عائلة قرغيزية مسلمة، (هي متزوجة وأم لطفلين). حيث ما فتئت تشدد أثناء لقاءاتها الرسمية على هويتها الإسلامية، (وترتدي غطاء الرأس احتراماً للناس).

وعلى انتصارها لهموم الفقراء، ومطالبهم بالنزاهة وتقسيم الأرباح والحقوق…

وأنها مع الشعب، مع حراكه المُطالب بالحرية، والإصلاح، وتوضيح العلاقة مع موسكو، ومع واشنطن ومنع الفساد ومع من يقود البلد، وعن دور الإسلام في سياقات الهوية وخيارات الأمة الاستراتيجية والسياسية. وبالأخص بالقياس لمن يقود البلاد؟. وهي الأوراق التي سعت أوتونباييفا لتقديم إجابات بشأنها. على أن الإجابة التاريخية الأهم كانت عبر إلتزامها بإنهاء الفترة الانتقالية، وفتح الباب أمام الشعب لانتخاب رئيس الدولة. حيث تم انتخاب السيد المازبيك آتامباييف، في أول ديسمبر 2011، رئيسا للدولة الوطنية الوليدة، والذي أدخل قرقيزستان لعهد جديد، نموذجي البدء.

وإذ نستذكر “روزار قرقيزستان” اليوم، لأننا بتنا على يقين  بإن المرأة وحدها ، من يمكن لها أن تصنع الحدث في ليبيا أيضاً، والخروج بالبلاد من هذا المآزق التاريخي الذي جرها اليه الرجال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق