ألرئيسيةالثقافيةرأي

رسائل الشغف والعذوبة بين ألبير كامو وماريا كارزاس

إنتصار بوراوى

رسائل ألبير كامو إلى ماريا كارزاس، هو كتاب صدر عن دار غاليمار الفرنسية في عام2017 يحتوي على قرابة 866 رسالة متبادلة بينهما، ولقد اختار الباحث الدكتور سعيد بوخليط ترجمة 62 رسالة من الكتاب من الفرنسية إلى العربية في كتابه الذي صدر له في بداية هذا العام بعنوان” ألبير كامو رسائل إلى ماريا كازراس” عن دار ماركيز للنشر والتوزيع.

والمترجم الدكتور سعيد بوخليط هو باحث، ومترجم مغربي صدر له أكثر من 24 كتاب في الترجمة والتأليف بمجالات الأدب والفلسفة، بالإضافة إلى كتابته مقالات في الأدب والفلسفة والسياسة بشكل دوري بالصحف والمواقع الثقافية العربية.

يذكر الدكتور سعيد بوخليط في مقدمة كتابه: “بأن البير كامو التقى ماريا ابتداء من تاريخ 6 يونيو 1944،   حيث جرى أول لقاء جمع بين كامو وماريا كازارس في باريس بدعوة من صديقهما المشترك ميشيل ليريس بمناسبة نشاط ثقافي محوره قراءة في قطعة فنية لبيكاسو”

ويستعرض الكتاب قرابة 22 رسالة لكامو إلى ماريا دون أن نقرأ أي رد من ماريا على رسائله إلا في الرسالة رقم23 حيث تكتب ماريا في ردها على رسائله قائلة:

“كبيرة هي السعادة التي منحتني، إياها بالوجود من خلال وجودك فقط (سواء قريبا أوبعيدا) رغم ذلك يلزمني الاعتراف كونها سعادة فضفاضة ومجردة شيئا ما والتجريد لم يشبع يوما امرأة أو على الأقل أنا ..ماذا أريد؟ أحتاج إلى جسدك الطويل؟ ذراعيك الطريتين، وجهك الوسيم، نظرتك المتوقدة التي تخلخل كياني صوتك..ابتسامتك..أنفك يديك أحتاج كل شيء فيك”.

رسائل ماريا لا تقل في فورة عواطفها، عن رسائل البير الملتهبة بالعواطف الجامحة بالحب والتي يقول في إحداها “سأحتاج لحياتين كي أحقق ماينبغى لي تحقيقه ”   فلقد كان كامو متوقدا بالحياة، راغبا فى تحقيق مشاريع إبداعية كبيرة ولكن القدر اقتطفه في لحظة عبثية مارقة قبل أن يبلغ الخمسين من عمره

في إحدى رسائله يذكر بأن سبب كل انطلاقه في الكتابة بشكل يومي محموم يرجع إلى لقاؤه بها:

“لم اشعر قط كما أشعر الأن بأني مفعم بالقوى والحياة، فالسعادة البالغة التي تغمرني تحفز الكون لقد ساعدتني دون إدراكك لذلك”

جمالية رسائل البير كامو تكمن، في كونها تكشف الكثير من شخصيته كما أنها مميزة بانسيابها ودفق المشاعر الرقراقة بها ، والتي  تعطى ملامح  لكاتب وفيلسوف  يعرف ما الذى يريده ، وكيف يتعامل مع الحب الذى اكتسح كيانه ، وعند مقارنة رسائل البير كامو برسائل كافكا إلى ميلينا مثلا  ،سنكتشف الفرق في الشخصية التي اثرت على مسيرة الحب عند كلاهما ،فرسائل كافكا بها الكثير من مشاعر الاضطراب وعدم اليقين والخوف  بينما رسائل البير كامو جريئة ، مفعمة بالحياة ، مندلقة ومنسابة بمشاعر وارفة وشذرات نثرية جميلة

“أختنق، الفم مفتوح ،مثل سمكة خارج الماء ، أنتظر قدوم الموجة ،عطر الليل وملوحة شعرك”

يلح الروائي البير كامو فى رسائله لماريا في التعبير عن اشتياقه، ولايجد حرجا أبدا في التوسل إليها بأن ترد على رسائله التي يكتبها لها بشكل يومي، ويسألها في كثير من رسائله ” هل لازلت تحبيني ..وأكتب .. لاتتوقفى عن الكتابة لي””

فهو لا يمل من الكتابة إليها بشكل يومي، ساردا عليها تفاصيل يومه وأفكاره وهواجسه وكثير من مشاريع اعماله الأدبية، وأيضا ماريا ترد على رسائله بشكل أقرب لليوميات وتحدثه عن تفاصيل، حياتها اليومية مع والدها الذي ترعاه في مرضه وتناقشه عن أدوار شخصياتها في المسرحيات، التي يكتبها فماريا كارزاس لم تكن مجرد ممثلة مشهورة بل هي قارئة مثقفة، تقرأ روايات بلزاك وجون شتاينباك وهيمنجواي وتتبادل معه، وجهات نظرها فيما تقرأه من روايات وتناقش كامو في كثير من اسلوب وأفكار الكتب.

في إحدى رسائلها تعترف لكامو بأنها، تخفى تفاصيل حياتها العاطفية عن والدها ووالدتها نتيجة خجلها وخوفها من ردود افعالهما، ولإبعادهما عن تعقيدات حياتها العاطفية كل ذلك كما تقول قادها للكذب مما قادها إلى إنهاك معنوي وجسدي لأنها تكره الكذب.

وبعد زيارة كامو لماريا في باريس وتعرفه على والدها، تنحو رسائلها اتجاها تصاعديا فى التعبير عن الشغف والحب وافتقادها له في كل ساعات يومها، فتكتب له فى ديسمبر1948م:

“لاشىء يضاهى أهمية وجودنا معا، أنا وأنت لا حقيقة أخر ولاشخصا ثانيا على امتداد هذا العالم وإذا دامت حياتك، وحياتي فسنكون باستمرار معا للنهاية رغم الزمان والمسافات والأفكار والآخرين وايضا الصحة الجيدة والسيئة”

ومن الملفت أنها في رسالتها المؤرخة بتاريخ 26ديسمبر 1948 كتبت له ” وردت إلى ذهني البارحة ليلا فكرة إمكانية موتك وأقسم لك بانه خلال لحظة انتفى وجودى”

فهل هو حدس العاشقة الذى جعل فكرة موته المبكر تلوح في ذهنها ، أم انه محض تعبير عن عدم قدرتها على الحياة بدونه؟

رسائل البير كامو و ماريا هى رسائل داعمة لحبهما، وليست مجرد تعبير عن الحب لأن الحب بينهما ملموس ومحسوس، يلمسانه بأجسادهما و يشمان عطره على كل حواسهما  فهو ليس حب منسوج من الخيال ، أو فقط لاستدرار الإلهام للكتابة عن الحبيبة بل هو حب حقيقي عاشه البير كامو وماريا، بكل جوارحهما و لم يكن أبدا حبا معذبا او مستحيلا بل هو حب يحتفل بالحياة ، ومعلن أمام الجميع ولم يكن سريا أو يعيش تحت العتمة منذ أن أخبرت ،والدها بطبيعة علاقتها مع كامو لأنها كما ذكرت في إحدى رسائلها لا يمكن ان تتعايش ،مع الغش والكذب وإخفاء مثل هذه العلاقة الكبيرة عن والدها وخاصة أن كاموا كان قد نال شهرة كبيرة ، بعد صدور روايته “الغريب” وأصبح أديب كبير معروف، وزوجة كامو كما ذكرت بعض المصادر المقربة منهما كانت على علم بعلاقته، وحبه لماريا وذلك أثر على نفسيتها وحاولت الانتحار نتيجة عدم قدرتها عل تحمل وجود امرأة أخرى في حياته وكل ذلك كان له تأثير على نفسية كامو، ومع ذلك استمر حبه لماريا إلى أخر يوم في حياته.

“اه ماريا ..ماريا عديمة الذاكرة بشكل مهول ..لن يحبك أبدا شخص ثان كما أحبك ..قد تصرحين بهذا عند نهاية حياتك عندما يصير فى وسعك أن تقارني وتلاحظي وتستوعبي ثم تخلصين إلى التالى:أبدا لم يعشقني شخص بهذه الكيفية”

هكذا صرخ كامو فيلسوف العبث واللاجدوى، الذي وجد في قصة حبه الكبير معنى للوجود والحياة، حتى لوكان حب مستحيل، ويعيش في زاوية الخطر

وكيف كان يمكن لمثل هذه العلاقة المجنونة، أن تستمر لمدة عشرين دون انقطاع لو لم يكن صاحبها روائي عبقري، وفيلسوف وجودي كبير مؤمن بالحب كقيمة كبيرة تسد فجوة عبثية ومأساة الوجود الإنسانى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى