في عالم يميل غالباً إلى التخصص الضيق، كان الفنان الراحل عبد الجليل خالد ع استثناءً يكسر القاعدة، لم يكن مجرد ملحن مر عبر الأثير، بل كان مهندس لحن موسيقي من طراز فريد، استطاع ببراعة نادرة أن يجمع بين رقة الوتر وصرامة النص القانوني، تاركاً وراءه إرثاً يثبت أن الفن والقانون ليسا سوى وجهين لعملة واحدة البحث عن النظام والجمال.
فمنذ ولادته في مدينة شحات عام 1944، بدا أن خالد يحمل في جيناته عبق التاريخ وعمق الثقافة ، انطلقت رحلته الأكاديمية التي بدأت بدبلوم الموسيقى وانتهت بالدكتوراة في القانون الدولي، لم تكن مجرد تحصيل علمي، بل كانت بناءً لشخصية “المثقف الشامل” طوال 15 عاماً قضاها رئيساً لقسم الموسيقى بالإذاعة والتلفزيون ، لم يكتفِ بالإدارة، بل كان المحرك الفعلي لأكثر من ألف ساعة برامجية، ومؤسساً لمنصات احتضنت الجيل الصاعد مثل “مسرح السنابل”.
تتجاوز بصمة خالد الحدود المحلية؛ فبينما كان يضع ألحانه التي تجاوزت الـ 200 لحن لأصوات ليبية رائدة مثل محمد نجم وناصف محمود، كانت ألحانه تعبر الحدود لتصل إلى حنجرة “أمير الغناء العربي” هاني شاكر في أغنية يا عيوني .
لكن التحليل الحقيقي لمسيرة خالد يكمن في قدرته على التطور من “مبدع” إلى “حارس للإبداع” مؤلفاته حول “التنظيم القانوني للصحافة” و”حقوق المؤلف” لم تكن كتباً أكاديمية جافة، بل كانت “مانيفستو” قانوني يهدف لحماية الإنتاج الثقافي الليبي.
لقد أدرك خالد مبكراً أن الفن بلا قانون يحميه هو فن ضائع، وأن الموسيقى العربية والأفريقية التي أرخ لأثرها العالمي تحتاج إلى درع تشريعي يواكب جودتها الفنية.
كان من المفترض أن يكون يناير 2019 محطة تتويج له في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ليتحدث عن تطور حقوق الملكية الفكرية.
لكن الموت كان أسرع، حيث رحل في 23 يناير 2018 عن عمر يناهز 71 عاماً، تاركاً خلفه فراغاً في المشهد الثقافي والقانوني.
رحل وترك لنا “أغنية الوداع” و”قصيدة ستعودين”، وكأنما كان يلحن مرثيته الخاصة قبل رحيله، مؤكداً أن المبدعين الحقيقيين لا يغادرون، بل يعاد اكتشافهم عبر كل نوتة موسيقية وكل سطر قانوني خطته أيديهم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية