الأخيرةجمال الزائديرأي

رحيل آريس .. مرثية الزمن الماثل ..

جمال الزائدي

رحيل آريس سردية تتكئ على علاقتها بالواقع ..  تحكي قصة مؤثرة لرجل من الزمن الليبي الماثل ..وهي بدرجة ما مقالة نعي طويلة لوطن ضيعته الحروب والأطماع والصراعات الحاقدة ..لكنها مكتوبة بنسغ غنائي فائض بالشجن ..

مع السطور الاولى سيجد القارئ نفسه مشدودا إلى  نحيب كربلائي تغذيه صور لا متناهية من ألوان العذاب التي تعيشها الشخوص في مصائرها الفردية ..

بأسلوب خاص تميزه البساطة  وبمزاج غير رائق أعادت فاطمة الحاجي صياغة جحيم دانتي في تجلياته الرهيبة التي ترتعد لها الفرائص وتطيش لها العقول .. لا شيء مشترك  بين الكوميديا الإلهية وبين هذه الرثائية التي نسيتها الخنساء تحت وسادتها قبل أن تغادر الحياة منذ قرون, سوى الجحيم ..

 

الشحنة العاطفية العالية المرتبطة بطزاجة وراهنية الحدث ستعفيك من ملاحظة تعثر النص في فخ التكرار غير الضروري لبعض المفردات في المقطع الواحد أو النبرة الخطابية التي توهن السرد وتبرد حرارة الحكاية في مواضع محدودة ..

 

النقطة الأساسية في النطاق البنيوي أنه لا توجد ثمة مستويات متنوعة متوازية للنص ترهق القارئ في محاولة مطاردة ظلالها عبر السطور , فالحكاية نسجت تفاصيلها فيما يشبه المونولوج حتى ونحن نرصد تعدداً خجولاً للأصوات.. لكن المضمر في هامش الغياب أو المسكوت عنه يعوض هذه الأحادية  ويثري القراءة بعدسة الخيال الذي سنحتاجه لملء الفراغات المتروكة في جدار السرد عندما  يبح صوت الراوي في سبيل  التزام الحياد الفني إزاء مأساة شخصية ووطنية لا تحتمل أي نوع من الحياد حتى وإن كان حياداً تقنياً يتوخى السمو الأدبي..

 

الحزن الذي تطفح به أجواء الرواية في كل حرف وكلمة وسطر .. مع أنه كاتم للأمل والنفس .. لكنه حزن واقعي بل وموضوعي ولا مجال لتزييفه أو حتى التخفيف من وطأته وسيظل إلى النهاية محافظا على قوته وقتامته..

 

وكما أنه ليس من وظيفة السرد الروائي أن يعيد إنتاج الواقع لغوياً مثلما يفعل كتبة التاريخ ..فليس من وظيفته أيضاً فتح غرفة العمليات لإجراء عمليات التجميل لوجه الواقع واستئصال القبح والتشاؤم   وزرع التفاؤل والبهجة  ..لذلك لن يضير رحيل آريس أن يجدها القارئ مثقلة بكل هذا الحزن والأسى..فهي لا تعد بالمتعة بل بالمزيد من الألم والوعي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى