منصة الصباح
جمعة بوكليب

ربيعٌ ولا ربيع

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

يقولُ مثل شعبي: “كل شيء في وقته حلو.” المقصود بالمثل ضرورة التحلّي بالصبر لننال ما نشتهي في الوقت المناسب، وليس قبله. لذلك لا حاجة بنا إلى الاستعجال. المشكلة أن حبال صبر بني آدم قصيرةٌ، وصدورهم أضيق من خَرْم إبرة، إلا مَن رَحِمَ ربي.

وأن يأتي فصلٌ من فصول العام قبل أوانه أو يتأخر في الحضور أمرٌ تعوّدْناه وليس جديدًا، ومن الغريب أن يُقلقنا ويُسبّب لنا ازعاجًا.

فصول العام تتساوى في المدة الزمنية، لكنها لا تتساوى فيما يحمله لنا كل فصل منها في صُرَرِه من هدايا نعلمها مسبقًا، وكذلك مفاجآت. بعضنا يحب فصلاً أكثر من غيره، وأغلبنا يميل إلى تفضيل فصل الربيع؛ كونه الفصل الذي يأتي مباشرة بعد أن يُنهكنا فصل الشتاء بأمطاره وزوابعِه وبرودته.

فصل الربيع هذا العام “عملها”، وتأخر عن حضوره، وأيقظ في أغلب النفوس قلقها. ولأن “الغايب عُذْره معاه” – كما يقول مثل شعبي آخر – فإن معرفة الأسباب مرهونة بتفسيرات خبراء الإرصاد والطقس.

الروزنامة تؤكد أننا قد عَتَبْنَا بأرجلنا وقلوبنا فصل الربيع، أي أننا تجاوزنا العتبة وصِرنا رسميًا مشمولين بضيافته. والمفارقة أننا دخلنا البيت ولم نجد صاحب البيت في استقبالنا! ليس سوى جدران عارية ونوافذ مغلقة.

يبدو أن الربيعَ، هذا العام، تعثّر في الطريق، أو فقد البوصلة وتاه، أو أنه آثر البقاء بعيدًا، يراقب مستطلعًا الأجواء، ويتحين فرصة تلاشي دخان الحروب الناشبة في بلدان عديدة من العالم. لذلك السبب فضّل الانتظار؛ حتى تصفو الأمور، وتستريح النفوس، ويطمئن أن قلوبنا – أبوابًا ونوافذَ – ستكون مفتوحة لاستقباله والاحتفاء بقدومه، وما يزال في حناياها ما يتسع لحضوره وإيناع زهوره.

مَن يدري؟ ربما يكون تأخر قدوم الربيع هذا العام امتحانًا آخر لنا، لنعرف مدى حرصنا وتمسّكنا بحضور الجمال في عالم يغمره القبح والقتل والدمار والخراب. انتظارنا للربيع وقلقنا من تأخره هو فعل إيمان بانتمائنا للحياة، ولإنسانيتنا، وانحيازنا للجمال.

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الاحترام الوصفة الأولى للعلاج

إن احترام الآخر في السياق الصحي ليس مجرد سلوك مهني يمكن تعلمه أو بروتوكول يمكن …