منصة الصباح
د. علي عاشور

الرَّأْيُ العَام بَيْنَ التَّفَاعُلِ وَالانْفِعَالِ

باختصار

يتشكل الرأي العام في ليبيا اليوم بشكل سريع لم يكن مألوفاً في السابق، إذ لم يعد يحتاج إلى وقت طويل للنقاش أو التحقق، بل يتبلور خلال ساعات قليلة من انتشار الحدث في مواقع التواصل الاجتماعي…

هذه السرعة ليست مؤشراً على نضج في الوعي بقدر ما تعكس خللاً كبيراً وعميقاً في البيئة الإعلامية وطبيعة التلقي.

أحد أبرز أسباب ذلك يعود إلى الفراغ الذي يتركه الإعلام التقليدي، بعد أن فقد جزءاً كبيراً من شعبيته نتيجة لعوامل متعددة … هذا الفراغ ملأته مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى المصدر الرئيسي للمعلومة، رغم افتقارها لمعايير التحقق والضبط… حتى أصبح الخبر يصاغ ويتداول ويحكم عليه داخل فضاء مفتوح، تحكمه السرعة أكثر مما تحكمه الدقة.

في هذا السياق، يتغذى التفاعل الشعبي الليبي على عوامل نفسية واجتماعية متراكمة، أبرزها الشعور بعدم الثقة في المؤسسات الرسمية، والرغبة في التعبير والمشاركة، إلى جانب حالة الاستقطاب التي تدفع الأفراد إلى تبني مواقف جاهزة.

لذلك لا ينتظر كثيرون اكتمال الصورة، بل يدخلون فوراً في التفاعل، مدفوعين بانطباعات أولية أو آراء وقناعات مسبقة… فيصبح التعليق والمشاركة جزءاً من إثبات الحضور، وليس نتيجة لفهم عميق لما يجري.

أغلب الناس لا يعرفون أن منصات التواصل الاجتماعي لا تكتفي بنقل الحدث، بل تسهم في كثير من الأحيان في إعادة تشكيله….. إذ أن خوارزمياتها تعزز المحتوى الأكثر إثارة للانتباه، وليس المحتوى الأكثر دقة أو توازناً، وهذا ما يفسر انتشار الروايات الناقصة أو المضللة والإشاعات بشكل أوسع من المعلومات الموثوقة، وانتشار الأخبار السلبية أكثر من الأخبار الإيجابية، الأمر الذي يؤدي إلى بناء وعي جماعي هش، قائم على معلومات غير مكتملة.

هذا النمط من التفاعل السريع ترك آثارا واضحة في النسيج الاجتماعي، حيث تتشكل مواقف حادة في وقت قصير، والمخيف في ذلك، أن هذه المواقف -في كثير من الأحيان- غير قابلة للمراجعة أو التصحيح.

ومع غياب النقاش الرصين حول القضية المثارة، يتحول الاختلاف إلى انقسام، وتصبح كل قضية ساحة لاستقطاب جديد، بدل أن تكون فرصة للفهم المشترك.

لهذا، فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب أكثر من مجرد الدعوة إلى التريث، بل يحتاج إلى بناء وعي نقدي لدى الجمهور، يمكنه من التمييز بين الخبر والرأي، والتحقق من المصادر قبل التفاعل مع كل منشور، كما يفرض ضرورة استعادة دور الإعلام المهني، القادر على تقديم رواية متكاملة ومتوازنة، تسبق الشائعات بدل أن تلاحقها.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية دور النخب الثقافية وصناع المحتوى في تهدئة النقاش العام وتوضيح الصورة كاملة، وتوجيهه نحو التحليل بدلا من الانفعال الشعبي السريع.

فالمسؤولية لم تعد مقتصرة على المؤسسات الرسمية، بل أصبحت موزعة على كل من يظهر في الفضاء الرقمي، إذ لا تنحصر المشكلة في سرعة التفاعل بحد ذاتها، بل في هشاشة الثقافة الذي يبنى عليها هذا التفاعل، فالرأي العام لا يقاس بسرعة تشكله، بل بقدرته على المراجعة الناقدة الواعية.
د. علي عاشور

شاهد أيضاً

د. مجدي الشارف الشبعاني

من يملك حق إنتاج الشرعية السياسية في ليبيا؟…قراءة في القيمة السياسية لمخرجات الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية

د. مجدي الشبعاني خلال الفترة الماضية تلقيت من عدد من الزملاء والمهتمين بالشأن العام، بل …