منصة الصباح

باختصار.. هَلْ نَتْرُكُ الَّدِلاَعَ يَعُومُ فِي الْبَحَرِ؟

د. علي عاشور

الصحافة مهنة النُخب، النُخب الثقافية على أقل تقدير، وبما أنها مهنة صفوة المجتمع ثقافةً ووعياً، إذاً فمن الطبيعي جداً أن يتحلى أصحابها بنصيب الأسد وأشباله بنفسية وعقلية قابلة للنقد، الذي هو بهار الصحافة.

كما إن النقد الصحفي أيا كان موضوعه يمثل معياراً مهماً وأساسياً يأتي في أعلى قائمة معايير الحياة الديمقراطية في أي دولة، وتحديداً بمحور حرية الصحافة، لاسيما وهو المتعلق بحرية التعبير عن الآراء…. فالتجربة علمتني أنه لا إشكال في أن تتبنى رأيا مخالفاً عن الآخرين، لكن الإشكال كله يحدث عندما تعبر عن ذلك الرأي بأي صورة كانت.

وحيث إن النقد الصحفي يجسد حرية الصحافة التي بموجبها تضمن للأفراد الحق في التعبير عن آراءهم، فإن من أهم المهام المنوطة بمهنة الصحافة “بمعناها العام”، هو النقد… نقد المسؤولين، نقد الظواهر المجتمعية، نقد الأعمال، والسياسات، والمؤسسات، والأحداث، والمستحدثات، وحتى نقد البرامج والمشاريع والمبادرات…. لا من أجل النيل منها أو النيل من أصحابها أو القائمين عليها، بل من أجل التنويه عليها، والتنبيه بما قد تحتاج من تعديل..

النقد الذي أقصده ليس فقط تسليط الضوء على العيوب والمآسي (وإن كان هذا النوع هو الغالب الموجود)، لكنه القراءة المتأنية الشاملة للمنقود عملاً كان أو ظاهرة- وإن كانت هذه القراءة من وجهة نظر الناقد- لكنها تظل زاوية للرؤية مختلفة عن زوايا الآخرين، وهو بحد ذاثه أمر مستحب، بل يمكن أن يرتقي لأن يكون أمر واجب تشجيعه من قبل المؤسسات الإعلامية، وذلك بأن تعطي براحاً أوسع للنقاد مهما كانت وجهات نظرهم مختلفة لخلق حراكٍ ثقافيٍ ينتمي المشاركين فيه إلى مشارب مختلفة.

ولذلك كله، اتجهت إلى هيئتنا العامة للصحافة، فوجدت بابها مشرع أمام كتّاب الرأي؛ للتعبير عن أرائهم في مختلف القضايا والموضوعات، وهو ما جعلني التحق بركب منصة الصباح الرقمية ونسختها الورقية أيضاً؛ لنشر كتاباتٍ نقديةٍ عن بعض ما أراه يستحق الوقوف عنده ونقده، حتى وإن كانت بعض نصوصنا النقدية نالها نصيباً وافراً من النقد؛ نتيجةً لسوء فهم بعض القراء وحتى بعض الزملاء للمقاصد الحقيقية من نقد بعض التصرفات أو الظواهر التي ظهرت بوادرها في المجتمع، لكن هذا الاختلاف بين وجهات النظر أراه أمراً طبيعياً ومطلوباً في الوقت ذاثهً، فالنقد الصحفي لا يسعى لنشر التفرقة والعنصرية أياً كان نوعها، بل يحاول تسليط الضوء على جانب قد يغفل عنه الآخرين من جهة، وتعديل ما يمكن تعديله في العمل المنقود من جهة أخرى، لاسيما عندما يتعلق الأمر بما قد يمس ثقافتنا المحلية الليبية بسوء، في محاولة لردع تلك التصرفات أو الممارسات الدخيلة على ثقافتنا المحلية التي نعتز بها قد الأمكان، دون أن نلقي باللوم على كل من يقرأ كتاباتنا بأنها غير منصفة، موجهين إليهم سؤالاً كان قد طرح ذات لقاء تلفزيوني: هل نترك الدلاع يعوم في البحر؟.

 

شاهد أيضاً

جريمة الإخفاء القسري .. بين الاتفاقيات الدولية والقانون الليبي

بقلم : آمنة الهشيك / أستاذة قانون ورد النص على جريمة الإخفاء القسري ضمن اتفاقية …