منصة الصباح
د. علي عاشور

قَلَمٌ صَرِيحٌ… وَطَنٌ صَحِيحٌ

باختصار

لامني في الأيام الأخيرة عدد غير قليل من الأصدقاء على كتابة المقالات النقدية حول عدد من الظواهر والقضايا المجتمعية، كما ظهر في الآونة الأخيرة من يلوم أهل الصحافة والإعلام في ليبيا ويحملهم مسؤولية ما آل إليه حال البلاد، بحجة أنهم لا يفعلون سوى الكلام والكتابة والانتقاد، دون أن يتغير شيء على أرض الواقع. يقال دائماً: ما فائدة المقالات؟ وما جدوى التحليلات؟ ولماذا لا تتحول الكلمات إلى أفعال؟ وكأن الكلمة الناقدة جريمة، والنقد مجرد ترفيه، وكأن الصمت هو الحكمة بعينها.

والحقيقة أن هذا اللوم، وإن بدا في ظاهر ه منطقياً عند الكثيرين، إلا أنه في جهوره ظلم لدور الصحافة، وتجريد للكلمة من قيمتها، وتهميش لوظيفة أساسية في أي مجتمع حي أو يريد أن يكون كذلك.

فالصحافة لم تكن يوماً مؤسسة تنفيذية، ولا سلطة تنفيذية، ولا جهازاً أمنياً، بل كانت -وستظل- ضمير المجتمع، وعين الناس، ولسان الحقيقة.

وفي ردها على من لام الصحافة على دورها النقدي، قالت الصحفية إيناس احميدة ذات تعليق: “الكلمة أضعف الإيمان”. أجل، الكلمة قد تكون أضعف الإيمان، لكنها أيضاً أول الإيمان، وبدايته وأساسه، فكل تغيير حقيقي يبدأ بفكرة، وكل فكرة تولد من كلمة، وكل وعي يصنعه نقد صادق…. فلولا الكلمة، لما عرف الناس حقهم، ولا ميزوا بين الصواب والخطأ، ولا أدركوا حجم الفساد، ولا فهموا أسباب الفشل.

مهمة الصحفيين والكتاب ليست اصلاح الطرق، ولا تشييد المستشفيات، ولا إعادة هيكلة المؤسسات، بل كشف الخلل فيها، وفضح تقصير كل من يعمل فيها، ووضع المسؤول أمام مرآة الحقيقة، مهما كانت قاسية… لهذا فالنقد ليس تخريبًا، بل إنقاذ… وليس تشويها، بل تصحيح….. وليس خصومة، بل حرص على حياة المواطن ومقدرات الوطن.

في اعتقادي، إن أخطر ما يهدد ليبيا اليوم ليس كثرة المقالات، بل قلة النقد…. وليس وفرة الآراء، بل ندرة الجرأة…. وليس ارتفاع الأصوات، بل انتشار الصمت….. فالمجتمعات لا تنهار حين يكثر الكلام والتعبير، بل حين يخاف الناس من الكلام والتعبير.

ولعل التجارب الإنسانية كلها تؤكد أن الدول التي نهضت، نهضت بقلم قبل أن تنهض بقرار، وبفكرة قبل أن تنهض بمشروع، وبنقد قبل أن تنهض بإصلاح…. أما الدول التي كرهت الصحافة، وحاربت الكلمة، وخونت النقاد وخنقت أقلامهم، فقد اختارت طريق الانهيار بإرادتها.

باختصار، ليبيا لن تتصلح بالمجاملات والتصفيق، ولا بتزيين الفشل ومداراته خلف تبريرات واهية، بل بالنقد الصريح، والمساءلة المستمرة، والكتابة الجريئة….. ستتصلح حين يصبح الخطأ مكشوفاً لا مغطى، وحين يصبح الفساد فضيحة لا عادة، وحين يصبح النقد ثقافة لا تهمة.

الصحفيون والكتاب يكتبون لأن الصمت عندهم خيانة، والسكوت مشاركة في الخطأ، ولإيمانهم بأن الكلمة -مهما بدت ضعيفة- تبقى آخر خط دفاع عن الحقيقة… وربما لا يغير مقال واحداً واقعا كاملًاً، لكنه قد يصنع وعياً، والوعي عند كل واعٍ هو بداية كل إصلاح.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

عبدالرزاق الداهش

كوكب الغرب

عبد الرزاق الداهش هناك من هم غائبون حتى في حضورهم، وهناك من هم حاضرون حتى …