ألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

” دَخلك ياطير الوروار”

زايد .. ناقص

جمعة بوكليب

 

أخيراً، رأيتُ، في الانترنت، صورة طير الوروار، وثبّتها في خلايا ذاكرتي، وأرحتُ، بذلك، خيالي من تعبه ومعاناته في البحث، كلما سمعتُ السيدة فيروز تغنّي “دخلك ياطير الوروار.”

قد يتساءل البعض عن السبب في حرصي على معرفة طائر، ربما لا يعرفه الكثيرون من البشر. وجوابي يكمن  في  أنني منذ أيام الصبا، وأنا استمع لفيروز تغنّي “دخلك ياطير الوروار”، فيأسرني اللحن والكلمات وصوت فيروز، ولاينقص استكمال متعتي إلا شيء واحد، وهو أنني لم ار ولم أعرف في حياتي، المدعو طير الوروار! أحياناً، وتحت ضغط الحاجة للمعرفة، واستكمال الصورة في ذهني، يشطح بي الخيالُ،  فأتخيّله طائراً، يطيرُ ويحطُّ على أغصان شجر ذاكرتي، ممن عرفتهم، أيام الطفولة والصبا والمراهقة، من طيور، كانت قبل أن يأكل الأسمنتُ والاسفلتُ بساتيننا وأشجارنا في طرابلس،  تملأ السماء من حولي. مرّة أتخيّله على شكل طير قصب. ومرّة على شكل طير فقاقي. ومرّة على هيئة حمراية أو أم بسيسي، ولم يخطر على بالي يوماً، حين رأيتُ صورته، أنه بهذا الجمال والروعة: صغير الحجم، مثل الطيور المذكورة أعلاه، لكن تعدد ألوانه، يجعلك تحسُّ وكأنك أمام لوحة رسمها فنان تشكيلي، بألوان عدّة، وصمّمها قصداً بمساحات غير متساوية، وبألوأن تبتعد عن التناسق، ومثيرة للانتباه، بل وجميلة، ما بين أزرق، وبُنّي، وأبيض، وبُنّي فاتح أقرب إلى لون الذهب. وطير الوروارمن الطيور التي تفضلُ العيشَ قرب المناحل، لأنه يقتاتُ على صيد وأكل النحل. وعرفتُ، كذلك، أنّه من الطيور المهاجرة، ويحب قضاء فصول الشتاء في افريقيا. أما المعلومات التي أثارت استغرابي، فهي أنه من الطيور المعروفة في شمال افريقيا، وليس شرق المتوسط حيث تعيش السيدة فيروز، ومؤلف الأغنية والملحن. أنا، شخصياً، لم أر طير وروار في كل حياتي. وفي السنوات الأخيرة، لم أعد أرى في طرابلس، كلما زُرتُها، حتى طير قصب. أما عن الحمراية وأم بسيسي وغيرها فلا تسل، ويكفي أن ألاجيال الجديدة لم تسمع حتى بها، فما بالك تعرفها. ولكن صبيان وشباب اليوم لا يجدون أيَّ تعب في أن يسمّوا لك كل أنواع الهواتف المحمولة وأنواعها المختلفة، وأنواع السيارات وموديلاتها، بشكل يجعلني، شخصياً، أشعر وكأنني قادم من كوكب آخر. إلا أن معرفتي، رغم فقرها، بعديد من أنواع الطيور المنقرضة التي لا يعرفونها يعوّض احباطي، ويجعلني أشعر بنوع من الامتنان، لايبتعد كثيراً عما يطلق عليه المختصون في علم النفس مصطلح السعادة. ولكي أكون مُنصفاً،  يجب عليَّ الاعتراف إن الأجيال الجديدة من الليبيين ضحايا هم أنفسهم لعالم،  ولدوا فيه، ووجدوه يناويء الطبيعة،  ويعادي البيئة،  وينحاز، بلا تردد، لصالح الأسمنت والاسفلت ضد خضرة البساتين، وغابات النخيل، بل ويسعى للتخلص منها، وتحويل أراضيها إلى مواقع بناء، بهدف اقامة مشاريع سكانية، أو أسواق مجمعة، أو ورش…الخ لان هذه الأخيرة مربحة مالياً.

للحضارة كما للتطور أثمان مكلفة، على الانسان دفعها. وكلما تقدم الانسانُ في تطوره ازدادت من حوله الأطواقُ، وكثرت القيودُ التي تفصل بينه وبين الطبيعة، وبين ذاته وحريته. فالقوانين والتنظيمات واللوائح  بمثابة مقصّات في أيدي الحكومات، تستخدمها، متى شاءت، لتحرم الانسان، كل مرّة، من جزء من حريته، كمن ينزع ريشاً عن طير ليحول بينه وبين الطيران. لكن الانسان خلق ليطيربأجنحة الخيال، ولذلك ابتدع الغناء،  ويهفو لسماع الأغنيات،  لأنها تجعله يتخيل بأنه طير وروار بألوان زاهية، حتى وإن لم تعرف سماؤه سوى رفرفة طير وروار وحيد، يطير في كلمات أغنية لن يطالها نسيان.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق