الأخيرةجمعة أبوكليبرأي

خلطُ أوراق    

زايد…ناقص

جمعة بوكليب

 

ما علاقةُ حُبّ كرة القدم بحبّ الوطن؟ سؤالٌ بريءٌ يطرح نفسه علينا، وسط فوضى الواقع الليبي ولا معقوليته، التي تجلت مؤخراً في ردود أفعال من طرف البعض منّا، تتسم بتشنج لا يبتعد عن مزايدة مذمومة، ضد مجموعات من الشباب في طرابلس، تجمّعوا مؤخراً، بميدان الشهداء، أحتفالاً بفوز فريق ميلان ببطولة الدوري الإيطالي في كرة القدم.

أسئلة عديدة  انبثقت، فجأة، في ذهني، عقب متابعتي لما شهدته ملاعبُ صفحات الفيسبوك من ردود أفعال مع أو ضد المستنكرين لذلك الأحتفال الكروي.

كرةُ القدم، مثلُ غيرها من الألعاب الرياضية، لعبةٌ شعبية عالمية. ولها تأثير وسحر على النفوس- صغاراً وشباباً وكهولاً- ومن الجنسين. وأن يُغرم إمرؤ بحبّها ومتابعة مبارياتها، محلياً ودولياً، أمرٌ طبيعي جداً، ولا يعني عدم اهتمامه بالشأن العام، أولامبالاته بمصير بلاده وما يحدث فيها من كوارث. فلماذا يحاول البعض منّا خلط  الأوراق بلا منطق؟

إذ ما الضير في أن يشجع مواطن ليبي فريقاً أجنبياً و يحتفل بانتصاره؟ ومن يجرؤ على اتهام مواطن بعدم  حب بلاده ولا يهتم بما يحدث فوق أرضها؟

الشباب الليبي لا تنقصه وطنيةٌ. وحبّ بعضهم لكرة القدم لم يقف عقبة أمامهم للخروج في الشوارع والميادين ضد النظام العسكري ومواجهة الرصاص بصدور عارية. والثورة التي فجروها ضد الاستبداد في فبراير 2011 سُرقت منهم، وركبها انتهازيون من كل حدب وصوب. والشهداءُ منهم الذين سقطوا قتلى في الشوارع، تركوا لنا حسرةً وحزناً في القلوب، ولم يعد أحدٌ يتذكرهم، حتى بالترحّم عليهم من حين لآخر.

شبابُنا لا يعانون من فقدانهم لحب بلدهم وأبناء شعبهم.  والذين منهم يحبون لعبة كرة القدم لا يختلفون عن غيرهم من شباب ليبيا أو شباب العالم. ولو كنتُ متواجداً في طرابلس لكنت من ضمن المئات، في ميدان الشهداء، أشاهد وقائع مباراة فريقي ليفربول ضد ريال مدريد. وأنا على ثقة بأن عديداً من أقارب، واخوة واصدقاء وأبناء المنددين بما فعل مشجعو فريق الميلان كانوا من ضمنهم في الميدان.

فلماذا، إذاً، توجيه اللوم إلى محبّي ومشجعي فريق الميلان وحدهم، ولا يطال اللومُ نفسه الشباب الآخرين، وهم بمئات الألوف، قبعوا في بيوتهم، ولم يتجمعوا في ميدان الشهداء تنديداً بسوء الأحوال؟  وهل من المنطق تجريم أي فعل يتعلق بمتعة بريئة مسالمة، بحجج واهية؟ أسئلة كثيرة جداً متلاحقة تظهر أمامنا، وتظل بلا إجابات لأن ردود الأفعال تلك غير منطقية، و تسير في اتجاه معاكس للواقع الحياتي الإنساني، ويشتم منها رائحة مزايدة.

ماذا تبقى للشباب الليبي من مُتع بريئة بعد أن حُرموا من كل شيء، وأُقفلتْ في وجوههم كل أبواب التسلية والثقافة والرياضة؟  الشباب الليبي يعيشون في بلاد حُولت المسارح فيها إلى مخازن، وأغلقت دور العرض السينمائي وحُولت إلى دكاكين، أو أُزيلتْ بالكامل، وبدلاً من المعارض الفنية والثقافية، صرنا نشهد كل يوم افتتاح معرض لبيع السيارات. وسُيج بالطوب وبالحديد ساحل البحر الطويل وشواطئه ورماله، وتمَّ الاستحواذ عليه بدون وجه حق، عيني عينك، واستغلاله لتجميع المال، أو ليكون مخازن للسلاح والعتاد.

الميادين مفتوحة، ليلاً ونهاراً، في كل المدن الليبية أمام الجميع، ولمن أراد. والمطالبون بخروج الشباب للتظاهر في الميادين والشوارع ضد الأحوال السيئة، التي آلت إليها بلادهم يستحقون الشكر والتقدير على دعوتهم. ولكن عليهم هم أولاً أن يكونوا قدوة،  بالتواجد في الميادين قبل غيرهم، وأن يطلقوا دعواتهم منها لتكتسب مصداقية، وليس من وراء جدران بيوتهم، على صفحات الفيسبوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى