ألرئيسيةرأيمحمد الهادي الجزيري

خلافاتي مع الكائن المدهش : المرأة

محمد الهادي الجزيري

 

لكم أحبّ المرأة… وكثيرا، أجلّها وأبجّلها وأحترمها وأعتبرها ليس ندّا لي فقط ، بل وفي استطاعتها تجاوزي في جميع مجالات الحياة ، والتفوّق عليّ وعلى سلالتي في العلم والفنّ والمعرفة والموهبة ، لأقسم بكلّ عزيز لديّ ، بدءا من أسرتي الصغيرة ومرورا بقصيدتي القادمة ووصولا إلى أموالي المركونة في أدراج إدارات عديدة ( فأنا الغنيّ وأموالي المواعيد ) إنّي أكن ّ للمرأة حبّا خالصا من كلّ منافع الدنيا والآخرة ، وإنّي لمن حلفائها الأشدّاء ضدّ كلّ من يعملون على تدجينها وتشييئها ويلتذّون بإهانتها وتحقيرها ، فهي أمّي المناضلة وأختي الرؤوفة وزوجتي الحبيبة وصديقتي المشاكسة  وهذا حديث يطول ….

مع ذلك لا تخلو علاقتي بالمرأة من ” خلافات ” تسبّبت فيها بعض المتحيّلات المخادعات للأسف الشديد ، وسأكتفي بسرد بعض ” المخالفات ” والأخطاء التي قمن بها في المجال الأدبي الذي أنتمي إليه منذ ربع قرن

ــ إحداهنّ تهاجم بضرواة كلّ من ينظر إليها كجسد جميل ،أو يكتب نصّا يتغزّل خلاله بأنثى يحبّها واصفا لمفاتنها وسحرها وبهائها ، ولست ألومها على موقفها من المتعاملين مع المرأة في الأرض والنصّ كجسد يوفّر اللذّة والمكتفين بذلك ، فلا يرون في ذاتها غير ما يراه الأعمى من الليل ، لكنّني أصاب بالذهول وأسقط في حيرة عميقة كلّما قرأت لهذه المدافعة العنيدة نصوصها الإبداعية ، فهي أيضا تقدّم نفسها في الشعر والنثر كبضاعة مغرية ووليمة باذخة ومصدر للإثارة ، ولا يخلو سطر من كتاباتها من الإيماء والتلميح إلى فتنتها الجسدية من الرأس إلى القدمين ، فمن ظلّ في جمجمته بقايا عقل ، أستحلفه بجميع مقدّساته أن يشرح لي هذه المسألة المستعصية على الفهم والإدراك ، فصديقتنا تقف في وجه من لا يرى منها سوى سحر وجهها وتناسق قوامها ، وتحشو كلّ قصائدها وخواطرها الإبداعية بفواكهها وثمارها وبالشموع والوسائد …، دون أن تسهو عن التثنّي بين السطور ورشّ المتلقّي بالعطور….. وهذا هو العجب العجاب .

ــ إحدى زميلاتي المحترمات لا تفوّت فرصة لتحقير سلالة الذكور من قطعان الكهوف إلى مجتمع الشبكة العنكبوتية ، تلعن وتشتم وتختار النعوت والأوصاف المذلّة بعناية فائقة ، فلم تعد مكتفية بالدفاع عن حقوق المرأة في العيش بندّية إلى جانب الرجل ، وفي ضرورة صون كرامتها وترسيخ حضورها في جميع مجالات الحياة ، بدءا من حقّها في التنفّس إلى حقّها في الذهاب إلى القمر والكواكب المعروفة والمجهولة ، أنا على وعي مرّ بفظاعة ما قام به صديقي الرجل من جرائم وانتهاكات في حقّ بلايين النساء في الكهوف والخيام والبيوت والقصور على مدى آلاف السنين ، ولكنّني أرفض أن نبدّل جبّارا بجبّارة ، أرفض أن تأخذ الضحيّة دور الجلاّد ، وأن تردّ زميلتي الرقيقة المهذّبة على تاريخ التطرّف بتطرّف حديث يختزل البدائية والوحشية والعنف الذكوري والأنثوي والحيواني عموما، أعتقد أنّ دور المرأة الكاتبة اليوم أن تنكّل بالرجل ، ليس بالسبّ والقذف والتشويه ، بل بدفعه إلى الندم على دهور طويلة، حرم خلالها نفسه والدنيا من طاقاتها العديدة ومن عاطفتها الرائعة المدهشة ومن قدراتها الفكرية ومواهبها الكثيرة ، لذا وجبت الإشارة إلى هذا الخطأ الفادح الذي وقعت فيه زميلتي والعشرات من الأديبات العربيات …، كنّ أجمل وأرحب من الرجل ، هذا هو التحدّي المطروح عليكنّ وليس العنف الفكري واللغوي واللفظي ، فخبرة الرجل في مجال العنف بأشكاله المختلفة ،تخوّل له إفحامكنّ ، وكم أخشى عليكنّ من غلبة الرجال.

ــ النموذج الثالث ، فكّرت طويلا قبل أن أعرّيه ، فقد يسيء إلى العديد والعديد من الأخوات الفاضلات المبدعات في تونس والوطن العربيّ ، وهنّ بريئات من كلّ ما سأذكره ، ولكن مسؤوليتي الأدبية تفرض عليّ الإشارة إلى البعض ممّن يكتبن بأحمر الشفاه ، والحقّ يقال أحيانا ، وينافسنني أنا شخصيّا محمد الهادي الجزيري ، بأدوات من خارج ورشة الكتابة والمعرفة والموهبة ، وهذا ظلم عظيم وجور ما أنزل الله به من سلطان ، فللمتسلّلات إلى حرم الإبداع والفكر من كواليس ودهاليز وسراديب موحلة ، أقول : ليس هكذا تكون المنافسة الإبداعية ، ومن المخجل والمخزي أن تشوّهن مسيرة المرأة العربية المبدعة ، وهي في بدايتها نسبيّا ، بمثل هذه التصرّفات اللا أخلاقية والكافرة ” بالروح الرياضية ” ، أيتها المرأة ، يا أختي وحبيبتي ومنافستي أيضا ، انتصري عليّ بإبداعك وجهدك المعرفيّ ولا تلعبي تحت الطاولة رجاء.

هذه بعض ” مشاكلي ” مع المرأة ، ولا يسعني في نهاية هذا البوح الخالي من كلّ نيّة سيّئة إلاّ أن أصافح العشرات من صديقاتي المبدعات المنتشرات في وطني العربي، جواهر تضيء دروب التائهين وتشير إلى كلّ شيء جميل وخيّر وراق ، مع المعذرة إن كنت تسبّبت لهنّ في بعض الإحراج حين أشرت إلى بعض المتحيّلات ، ولكنّي أعتقد أنّ الإحراج لي ولهنّ ولكلّ الكتّاب والكاتبات ، للرجل والمرأة وللإنسان في المطلق ، فمثل هذه النماذج التي ذكرت ، تسيء إلى الجميع دون استثناء ، ومع ذلك كان لابدّ من الضغط على الجرح لكي نذكره ونعمل معا على مداواته .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى