ألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

خصومة وعداوة

زايد..ناقص

جمعة بوكليب

مالم تتحول إلى عداوة، وهو أمرٌ محتملٌ جداً، في كثير الأحايين، ليس في الخصومات بين البشر أينما كانوا، ما يُضيرُ، أو ما يُشين. فالمرء، منّا، حتى وإن شاء، لايستطيع أن يكون مجرد نسخة كربونية من غيره، من دون أن تكون له مباديء يتكيء عليها، وتسنده في الحياة، وتنير مسارات وعتم دروبه، أو أفكار وأهواء وأمزجة تستهويه، وتميّزه حتى عن أقرب الناس إليه. وبالتالي، لن يكون بمستطاع أحد العيش في ” سمن وعسل” مع غيره من بني جلدته، مهما فعل أو حاول، من دون أن يتوقع عدم حدوث خلاف وخصومة، في عالم يمشي على رأسه.

والخصومة أنواع. أسوأها أن يكون المرء على خصومة مع نفسه، وحيث لامهرب له منها، ومما قد تسببه في العقل والقلب من توتر، وما قد ينشأ عنها من اغتراب للروح،  ربما يفضي بالمرء، أحياناً، إلى فقدان توازنه النفسي، ويقوده، لاسمح الله، إما  إلى جنون مميت، أو إلى عزلة موحشة. تليها في مراتب السوء، خصومة المرء مع أهله وأخوته، لأنها، في رأيي، أشبه ما تكون  باحتراق أرض تحت قدميه. وقد يستغرق مداها زمناً طويلاً. وتزداد سؤاً حين لا يكون طرفاً فيها، لكنه لن يكون في منجأ من تداعياتها، وما تسببه من تصدّعات عائلية مزعجة، قد  لاتندمل، ولا تبرأ إلا بعد زمن طويل.  وهناك خصومات تجيء وتمضي، تطول وتقصر، كالتي تحدث بين أصدقاء.  وفي رأيي، تظل الخصومة السياسية هي أقرب أنواع الخصام مسافة إلى خطوط العداوة، وأكثرها ضرراً، ليس للمتورطين فيها فقط، بل يمتد  شرر نيرانها ليطال غيرهم، والمصلحة العامة عموماً.  والسبب في رأيي، يعود لطبيعتها، كون السياسة دفاع عن مصالح شخصية أو حزبية أو قومية ، وحماية لحقوق على نفس المستويات السابقة، في واقع سياسي انساني موسوم بالطموح الذاتي، وبالتنافس بين مختلف قطاعات المجتمع وفئاته عادة على مواقع ومناصب، أو على موارد محدودة.

الخصام السياسي، في  البلدان المتقدمة صناعياً، ومتعددة سياسياً، ومترسخة ديمقراطياً، تحدد وفق قواعد متفق عليها، عبر عقود طويلة من الزمن، ومن خلال قنوات تأسست وترسخت عبر تاريخ من صراعات دامية، وبآليات، حازت رضى الأغلبية، وانبثقت من بعد تجارب مريرة مرّت بها تلك المجتمعات، ووصلت إلى قناعة بضرورة قبول جميع الأطراف بقوانين اللعبة السياسية، لكي تضمن استمرار العملية السياسية سلمياً، بعيداً عن أي مواجهات وصدامات حربية، وتتيح لكل الآراء، على أختلافها، أحقية الوجود الشرعي على أرض واقع، متعدد ثقافياً ودينيا وسياسياً وديموغرافياً، حفاظا على السلم الاجتماعي. لكن في البلدان الرخوة ديمقراطياً، مثل بلداننا، وحيث لا وجود لفراغ يسمح للتعدد بالحضور والنمو والازهار، وحيث لا مكان لاظهار التمايز والاختلاف في وجهات النظر إلا من خلال منظور آحادي، مفروض عادة بقوة السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، أو جميعها معاً في آن، فإن الحدود الفاصلة بين الخصومة والعداوة تنمحي كلية. ويتحول الخصوم السياسيون إلى أعداء،غير مسموح لهم ليس فقط بعدم التعبير عن آرائهم، بل بالحياة.  وفي حالة اصرارهم على حقوقهم في التعبير عن وجهات نظرهم سلمياً، فانهم يعرفون مسبقاً أن ذلك الاصرار يتطلب منهم  الاستعداد والتهيؤ  للعيش في مدن المنافي، أو في عتم السجون،  وأفضل مثال ما يحدث على الساحة الليبية، قبل وبعد ثورة فبراير 2011. حيث تشحذ السكاكين، طوال الوقت، من قبل كل الأطراف المتنافسة على السلطة، تأهباً للدفاع عن نفس من خصوم / أعداء، أو استعداداً للانقضاض عليهم بغرض اقصائهم نهائياً.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق