تحقيق / إبراهيم الحداد
في شوارع العاصمة طرابلس المزدحمة، لا تكاد تمر ببضعة أمتار دون أن تلمح لافتة مضيئة لصيدلية، في مشهد يوحي بـ”تخمة” دوائية؛ حيث تُشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 500 صيدلية خاصة موزعة على بلديات المدينة.
هذا الانتشار الكثيف، الذي يضع صيدلية لكل 2000 مواطن تقريباً، يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل تخدم هذه الكثرة صحة المواطن، أم أنها واجهة لفوضى مهنية تفتقر لأدنى معايير الرقابة؟

الفائض والاحتياج: أزمة “تأهيل” لا “عدد”
تقضي المعايير المهنية المنظمة للقطاع بضرورة وجود صيدلانيين اثنين على الأقل في كل صيدلية لضمان سلامة الصرف الطبي وتغطية ساعات العمل.
وبحسبة بسيطة، تحتاج العاصمة إلى جيش قوامه نحو 1000 صيدلاني مؤهل .. ورغم أن ليبيا تحتضن قرابة 20 كلية صيدلة تضخ سنوياً مئات الخريجين، إلا أن “فجوة التأهيل” تظل العائق الأكبر، حيث يصطدم الخريجون الجدد بواقع سوقٍ تبتلعه العشوائية.
عطارة بمآزر بيضاء: تغييب الاختصاص لصالح الأرباح
تتجلى الأزمة الحقيقية في “اختراق” المهنة من قِبل دخلاء لا تربطهم بالصيدلة صلة، حيث بات خلف الرفوف خريجو كليات العلوم، والبيطرة، واللغات، في مشهد أقرب إلى “دكاكين العطارة” منه إلى مؤسسات صحية.
وفي هذا السياق، يدق «د. أحمد الشريدي»، صيدلاني ممارس وصاحب صيدلية، ناقوس الخطر، مؤكداً أن النقابة تحذر مراراً من هؤلاء المساعدين غير المرخصين.
ويقول «الشريدي» : هؤلاء الدخلاء يفتقرون للأساس العلمي الكفيل بفهم التفاعلات الدوائية المعقدة، مما يحول الصيدلية من مركز لبيع الدواء إلى مجرد نقطة لبيع العلب”، ويرى أن تدني أجور الدخلاء وتضارب الاختصاصات الرقابية وفوضى التفتيش هي “البيئة الخصبة” التي نمت فيها هذه التجاوزات.
قصة سليم: عندما تضيع “الجريمة” بين الإنكار وغياب التوثيق
هذا الخلل المهني ليس مجرد “مخالفة إدارية”، بل هو خطر وجودي، كما حدث مع الشاب سليم.
بدأت الحكاية بعلبة دواء “مغشوشة” اشتراها من إحدى الصيدليات، وما إن تدهورت حالته الصحية وتأخر شفائه عاد للصيدلية، حتى اصطدم بجدار من الإنكار، إذ نفى الشخص الذي باعه الدواء معرفته به أو بصرفه لتلك الوصفة.
ولأن بعض الامصال تباع دون وصفة طبية، ولا تختم على الوصفة المصروفة، وغياب الفواتير المطبوعة والموثقة، ضاع حق سليم أمام “بائع” يتستر خلف مئزر أبيض لا يستحقه.
تصرفات مسكوت عنها تقتل في صمت
إن المشهد الصيدلاني في طرابلس اليوم لا يحتاج إلى “ترميم” بل إلى “ثورة إدارية” شاملة تعيد للقطاع قدسيته.
فبينما تضخ الجامعات آلاف الكوادر، يظل المواطن تحت رحمة دخلاء لا يفرقون بين “قرص الدواء” و”المسواك” والتداوي بالحجامة والعسل، مستظلين بضعف الرقابة التي جعلت من أرواح الناس رهينة للتجربة والخطأ.
إن استمرار هذا التخبط يضع “الأمن الدوائي” الليبي في مهب الريح؛ فالدواء ليس سلعة استهلاكية، والخطأ فيه ليس كأي خطأ، بل هو رصاصة صامتة قد تنطلق في أي لحظة من يد “الشخص الخطأ” لتنهي حياة إنسان كان يبحث عن الشفاء.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية