الأخيرةجمال الزائديرأي

حتى لو طالت الرحلة ..

جمال الزائدي

ما الذي تغير في الحضارة الانسانية منذ  اللحظة التي التقطت فيها كاميرا التاريخ ذلك المخلوق المتوحش  الذي يشبه الغوريلا وهو يركض في الغابة وراء طريدة ليلتهمها ويسكت صراخ جوعه او فرارا من حيوان آخر يتوخى صيده وافتراسه  ..وصولا الى هذه اللحظة التي يجلس فيها  ذلك المخلوق المتوحش نفسه على عرش العالم محفوفا بآيات العظمة والقوة والهيمنة بفضل ما أنجز  عبر العصور من فتوحات فكرية وعلمية وتكنولوجية صار بفضلها الحاكم المطلق على ظهر الكوكب ..؟

بين اللحظتين لحظات متكررة مشابهة تخللها ظهور قمبيز والاسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ومئات القتلة والغزاة الذين تفننوا في نشر البؤس والقهر والظلم والمعاناة في كل مكان وصلوا إليه .. إنها المعادلة نفسها التي تعلمها الإنسان في الغابة تمت اعادة تدويرها تحت شتى المسميات العقائدية والايديولوجية وحتى الأخلاقية .. وبرغم كل المحاولات الجادة و الحثيثة من خلال الفلسفة والفكر والأديان والثورات لكسر اللعنة الأبدية  لم تنجح البشرية سوى في تنظيم الافتراس وتقنينه عبر ضوابط تشرعن بطش الأقوياء لكنها لاتحمي الضحايا ..

ثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس ضد روما القديمة قامت في وجه  العبودية ولم تفلح في اسقاطها ..ثورة القرامطة والزنج ضد العباسيين فشلت في هزيمة الاقطاع القبلي المتلفع بعباءة الدين ..الثورة الفرنسية عام 1789 كل مافعلته استبدال جلاد بجلاد مماثل ..الثورة البلشفية قايضت رأسمالية الأفراد برأسمالية الدولة ..ثورات هامشية أخرى تفجرت تحت ضغط الاحتقان والإهانة  واقصى ما وصلت إليه الانتقال من السيء إلى الاسوأ..

حتى الآن ما حققته الانسانية هو الوعي بالظلم وهذه خطوة متطورة عن الاحساس بالظلم ، دون ان تنجح محاولاتها الدؤوبة في تغيير جوهر قانون التدافع القائم على مبدأ القوة بمعناها المادي ومن ثم الرمزي ..

تهذيب الافتراس وتنظيم الطغيان الذي كان يرتكن إلى شرعية العضلات في مرحلة الغابة ثم إلى شرعية الحق الالهي في مرحلة لاحقة ..هذا اقصى ما استطاعه العقل الانساني المتنور لبلورة نظريات سياسية تقترب من الحد الادنى لمفهوم المشاركة والعدل والمساواة ولو في مستواها الشكلاني ..

مازالت الرحلة بعد مرور آلاف السنين تبدو في بدايتها ..لكنها لابد أن تستمر ويستمر النضال ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى