لم تعد الاستعدادات للأعراس في ليبيا تقتصر على التجهيز للفرح واختيار موعده، بل أصبحت رحلة طويلة من الحسابات ومحاولة التوفيق بين الرغبة في الاحتفال بالمناسبة كما جرت العادة، والقدرة على تحمل تكاليفها في ظل ارتفاع الأسعار. فبين قاعات الأفراح، والذهب،والملابس، وتجهيزات العروس،والولائم،تتزايد الأعباء المالية التي تواجه العائلات،وتتحول فرحة الزواج لدى البعض إلى التزام يحتاج إلى استعداد مادي قد يمتد لسنوات.
عادات اجتماعية تواجه تحديات الواقع الاقتصادي
وتحظى الأعراس بمكانة خاصة في المجتمع الليبي، إذ ترتبط بعادات اجتماعية متوارثة تتجاوز الاحتفال نفسه، وتشمل تجمع الأهل والأصدقاء، وتبادل التهاني والهدايا، وإقامة مناسبات تسبق ليلة الزفاف أو تليها. غير أن الحفاظ على هذه المظاهر بات أكثر صعوبة أمام ارتفاع تكاليف مستلزماتها، الأمر الذي يدفع بعض الأسر إلى تقليص أيام الاحتفال أو الاستغناء عن بعض التجهيزات، فيما تجد أسر أخرى نفسها مضطرة إلى الاقتراض أو الاستعانة بالأقارب لتغطية النفقات.
إلهام دبوب: غلاء الأسعار يغيّر متطلبات الزواج

وترى المستشارة التربوية والباحثة في الدراسات الأسرية إلهام دبوب أن غلاء الأسعار أصبح من المشكلات التي تواجه المجتمع الليبي والعربي بشكل عام، مشيرة إلى أن ارتفاع تكاليف الزواج خلال السنوات الأخيرة انعكس سلباً على متطلباته المتعارف عليها، بدءاً من المهر والذهب، وصولاً إلى الملابس ومكان إقامة الأفراح وتجهيز بيت الزوجية.
ضغوط نفسية ومقارنات اجتماعية تثقل كاهل المقبلين على الزواج
وتوضح دبوب أن هذه الأعباء لم تعد تقتصر على الجانب المادي، بل امتدت إلى ضغوط نفسية واجتماعية تطال الشباب والفتيات والعائلات، خاصة عندما تتحول مناسبات الزواج إلى مساحة للمقارنة بين الأسر ومحاولة مواكبة المظاهر والصيحات المتداولة، بما قد يسبب خلافات بين أهل العروس والعريس، أو يضع المقبلين على الزواج أمام التزامات مالية تفوق إمكاناتهم.
حتى البساطة أصبحت مكلفة
وتشير إلى أن بعض الأسر ما زالت تحافظ على البساطة في احتفالاتها، إلا أن ارتفاع الأسعار جعل حتى المتطلبات الأساسية مكلفة، سواء ما يتعلق بمستلزمات العرس أو تجهيز منزل الزوجية، الأمر الذي يزيد من صعوبة الاستعداد للزواج، حتى في الحالات التي لا تتضمن مظاهر مبالغة أو بذخ.
«التفريشة».. تجهيزات العروس تتحول إلى عبء مالي
ومن بين المظاهر التي باتت تثقل كاهل العائلات، تبرز «التفريشة»، وهي التجهيزات التي تحضرها العروس، وتشمل العطور والملابس والمستلزمات المنزلية وغيرها من الاحتياجات. ومع اتساع قائمة المتطلبات وارتفاع أسعارها، تحولت هذه العادة لدى بعض الأسر من تجهيزات مرتبطة ببداية الحياة الزوجية إلى مصدر للقلق والضغط المالي، خصوصاً مع التوقعات الاجتماعية وما يرتبط بها من مقارنات بين العرائس.
تكاليف الزواج تعرقل خطوات تكوين الأسرة
ولا تقف آثار هذه التكاليف عند حدود ميزانية الأسرة، بل تمتد إلى الشباب المقبلين على الزواج، الذين يواجه بعضهم صعوبة في اتخاذ خطوة تكوين أسرة، خصوصاً مع تزامن مصاريف الزواج مع تكاليف السكن وتأثيث المنزل والاحتياجات اليومية.
بين التقاليد والقدرة المادية.. كيف يمكن تخفيف الأعباء؟
وبين الرغبة في إحياء التقاليد والواقع الاقتصادي، يبرز التساؤل حول إمكانية الحفاظ على روح الأفراح الليبية بعيداً عن المبالغة في الإنفاق. فالمناسبة التي يفترض أن تكون بداية لحياة جديدة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء مالي يلاحق الزوجين بعد انتهائها.
وقد تسهم إعادة النظر في بعض مظاهر البذخ، والاتفاق المسبق على حدود الإنفاق، وتقديم قيمة المناسبة على حجم تكاليفها، في مساعدة العائلات على الاحتفال بأفراحها دون تحميل نفسها أعباء تفوق قدرتها.
فرحة الزواج لا تقاس بحجم الإنفاق
في النهاية، لا تقاس قيمة الفرح بما ينفق فيه، ولا بما تتضمنه تجهيزاته من مظاهر، بل بما يحمله من مودة واجتماع وفرحة حقيقية ببداية حياة جديدة. وبينما تتغير الظروف الاقتصادية، تبقى المحافظة على العادات الجميلة ممكنة متى أصبحت أبسط وأكثر مراعاة لظروف الناس وإمكاناتهم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية