ألرئيسيةرأيمحمد الهادي الجزيري

تعرية الكائن ..وفضحه…

 

بقلم /محمد الهادي الجزيري

أعرف كائنا نظيفا ولطيفا وظريفا حسب ما يبدو لكنّه يسبّب لي مشاكل كثيرة، سأذكرها لكي تُذكر في سجلاته وتواريخه ..وكي لا يقال أنّي أتهجّم عليه لا سامح الله
ذلك الكائن المحلّق في الفضاء ..إنّه العصفور وما أدراك من هو، ريش جميل ، جناحان توءمان ،منقار لا يصدر غير الزقزقة، ساقان متناسقان يُحسد عليهما …وتحبّه الفتيات وترضين بالهدايا إن كانت على هيئة عصفور مزخرف في قماش أو بلور أو معدن ثمين…
لكنّه يصحو باكرا جدّا في حين ينتهي يومي أنا، ففي الفجر يعلن النشاط والرغبة في الحركة، ويباغتني بالزقزقة من سطح البيت داعيا لي النهوض في حين أكون قد استهلكت كلّ طاقتي في استدراج قصيدة نحو الورقة، قد أكون قد وُفقت أو لا ، المهمّ الوقت ملائم للنوم وليس للزقزقة والكلام الفارغ الذّي يدعوني إليه ..إضافة إلى مساوئ أخرى سأذكرها…
تُرى… ماذا يمكن أن أقول عن هذا المتأنّق العربيد ؟، يكاد لا يسلم منه أحد، أنظروا إلى الحقول والمزارع كيف اكتسحها هازئا من فزّاعة الطيور وصياح الفلاحين، إنّه يأكل محصول الناس ولا من يدينه أو يشير إلى ذلك، تعب عام كامل لما لا يحصى من كادحين يغير عليه دون رحمة أو شفقة، أو إحساس بذنب أو اقتراف شيء مشين ، وكم في بطون العصافير من رزق اليتامى والمشرّدين في أنحاء البلدان ..ومن يشير إلى ذلك فإمّا حاسد أو له صفات أخرى لا قدرة لنا على فهمها…
إذن ..لا يمكن السهو عن جرائم فظيعة يقترفها العصفور العفيف الشريف، فمن كان يقطن قرب حقل أو حذو خربة يعي ما سأقوله ، إنّه يستعمل مخالبه ومنقاره لتقطيع ولائمه الصغيرة المسماة بالدود الورديّ ، يهبط كالصاعقة على الدودة الآمنة في غفوتها ويطير بها في منقاره دون أن ينهره أحد أو يؤنّبه عابر سبيل ..، ويبدأ بتمزيقها والتهامها بشره فظيع، ثمّ ألم يحدث أن مرّ به أحدكم مرتديا أبهى ثيابه، ذاهب إلى موعد هامّ ..وفجأة يحدث الذي يحدث … العصفور يلقي فضلاته على الثوب الجميل دون أن يأسف على ذلك، وتكون النتيجة الحزينة أنّ الموعد يُلغى أو يؤجّل بسبب تافه…، على كلّ هذا القليل الذي يبغض لي هذا الكائن الذي يُذكر إلاّ بالخير….
على فكرة تذكّرني هذه المقالة برجل يتقن التلاعب بالكلمات وقد قضىّ حياته يكذب على الأمّة ويزعم أنّه مظلوم ، في حين أنّ الدنيا لم تبخل عليه بشيء، أترككم في خاتمة النصّ مع أسطر كتبها في شبابه وصدّقته نساء وقامات ومدن وقطط وجمهور يتقن التصفيق:
” سأغفو تماما لأنسى
فإن متّ في غفوتي دثّروني بأنثى
وقولوا لتونس
فزّاعة للعصافير أنت
وقد كان ضيفا
وقولوا لمن لا تُسمّى
لكم كان طفلا وكم كنت منفى ”
أرأيتم كم يتشّبه بذلك الذي أوّل حروف اسمه عصفور؟ أرأيتم كم يتشابهان : الشاعر مبدع الكلمات والطائر سيّد السماء؟ الأوّل يقنع الجمهور بتفوقه ونبوغه ببعض الجمل المنمقة والثاني يسحر الزاحفين على الأرض بتحليقه الحرّ ؟…لكنّهما ميتان ككلّ شيء ..كلّ منهما سيأوي إلى حفرة في مكان ما ليتحوّل فيها إلى عشبة أو حجرا صلدا ..فتلك هي الحياة ..مهما بلغ الفرد فيها من تفوّق وتميّز وذكاء ..لا بدّ أن يخضع لقانون الطبيعة ويستجيب إلى شروط اللعبة ..فكلّنا فان وإن بلغ المستحيل ..وكم من ملك وطاغية ..وكم من ساحرة تأخذ الألباب وفتى ملأ الدنيا وشغل الناس ..
جميعهم ذهبوا حيث يستريحون إلى أبد من تعب بالغ لكنّه لذيذ …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى