ألرئيسيةرأيمحمد الهادي الجزيري

تذكير بما وقع ..لكي لا يقع …

 

بقلم /محمد الهادي الجزيري

 

صحيح أنّ العالم مبنيّ على صراع الإرادات ، هكذا كان وهكذا يستمرّ وهكذا سيكون، هذا رأي أوافق عليه دون تلعثم أو ارتباك أو ترددّ..، خاصة في ظلّ ما تشهده الساحة السياسية في أكثر من بلد عربي هذه الأيام، من تجاذبات قويّة وصدامات شديدة بين يمين ويسار، لكنّي مع ذلك أعتبر أنّ القول بحتميّة الصراع لا يجب أن يغيّب ” الإرادات الليّنة ” إن جاز القول، فالدعوة إلى الوسطيّة والاعتدال مثلا، هي إرادة لا غبار ولا غراب عليها، وإن لم تتسلّح بغير رحابة الصدر والصبر الجميل، وبمعنى آخر ثمّة من يستخدم في صراعنا الحديث حجّة القوّة وثمّة من يلوذ بقوّة الحجّة، وأنا من التابعين للصفّ الثاني وإن طغى صوت الصفّ الأوّل على المشهد السياسي في الأقطار العربية ومن بينها ليبيا وتونس، شخصيّا لا تسمح لي ثقافتي ومستوى تحضّري بإرغام خلق الله على اعتناق مبادئي ومعتقداتي، وليس في هذا ضعف للإرادة ، بل هي القوّة بعينها، قوّة الفكر الذي لولاه لما استطاعت الإنسانيّة تحقيق كلّ هذه المكاسب الحضارية ، العلميّة منها والأخلاقيّة..، يشهد التاريخ على انتصار السيف على الوردة آلاف المرّات، لكن هل نجح السيف في بسط سلطانه على الإنسان إلى ما لا نهاية؟، لم يحدث هذا ولن يحدث، إذ أنّ الإنسان وببساطة شديدة كائن حرّ، وإن استكان فترة من الزمن، الإنسان مارد عظيم رغم هشاشته الجسديّة، ولنا أن نسأل كلّ الجبابرة الذين حاولوا تدجينه على مرّ العصور…. تطرّقت اليوم إلى هذا الموضوع ، بعد متابعة يوميّة دامت شهورا لما يعتمل داخل أقطارنا العربية، وبعد ذهولي من تطرّف بعض الأطراف في أقصى اليمين واليسار كذلك، فمن العجب العجاب ونحن في مفتتح القرن الواحد والعشرين أن يؤمن البعض منّا بإمكانية فرض آرائهم على الآخرين، بل الأغرب أنّهم تناسوا أنّ هذه الشعوب ثارت منذ فترة زمنية قصيرة على أنظمة شموليّة ، ألجمت كلّ الأصوات المعارضة لها، صراحة ثمّة منّا، من أصيبوا بمرض فقدان الذاكرة، وأعتقد أنّهم يقترفون خطأ شنيعا في حقّ شعوبهم التي قدّمت الغالي والنفيس ، الدم والروح من أجل حريّة التفكير والتعبير والعيش بكرامة، لذا أرى أنّ كلّ إرادة تتكّئ اليوم على القوّة ستواجه ما لا تتوقّعه أبدا، وشخصيّا أرجو أن نتفادى الاصطدام الأهليّ ، إذ لا رابح فيه إلاّ أعداء الأمّة… لست متشائما البتّة رغم بعض الظواهر الغريبة التي بدأت تتّضح في مجتمعاتنا ، إيمانا منّي بأنّ الأغلبيّة الساحقة معتدلة المواقف والمعتقدات، وتميل إلى التعايش السلميّ، وتعي تمام الوعي أنّ معركتنا ليست مع بعضنا البعض، بل هي ضدّ الأميّة والتعصّب وإقصاء الآخر، ومن المضحكات المبكيات أنّ بعض شبابنا المتحمّسين يرفضون مجرّد الاستماع إلى كلّ رأي مخالف لأفكارهم .. وهذا خطر كبير يهدّدهم هم قبل غيرهم، فمن يمارس الإقصاء، لابدّ أن يكتوي بناره يوما ما، والسبب بسيط: لقد ساهم في تكريسه داخل مجتمعه وبرّر القيام به تحت شعار من الشعارات الكثيرة، يا أهلي أينما كنتم، قدرنا الجميل أن نتكاتف في وجه المتربّصين بأمّتنا من كلّ جانب، فلا تفوّتوا هذه الفرصة التاريخيّة لكي نثبت للعالم أنّنا أمّة حضارة وعلم ومحبّة وتسامح .. ، أمّا الإقصاء وفرض اللون الواحد والفكر الواحد والصوت الواحد.. فلا مجال له في عصرنا الحديث ..، لقد انتفضنا معا في وجه السيف فتعالوا نَسق في حديقتنا أكثر من وردة….
آخر ما أنهي به هذه الصرخة الحميمة ..، فقرة من نصّ قديم ..أرجو أن ينال رضاكم:

” لا شيء سوى كُتل تتصادم في أسواق اللذاتْ
ذا ما تبصره اليوم وما ستراه غدا
إن أمهلك الموت ولم يفقأ عينيك سراب أو حشراتْ
ذا ما ستراه حتّى تتحوّل حرّيقا في مقبرة الغرباءْ
ذا ما أدركه قابيل فدشّن بحر الدمْ
وغزا مدنا ونساءْ
لا شيء سوى أجساد مرتزقةْ
تتناحر في ملكوت الرغباتْ
رايات شتّى سوداء وخضراء ورقطاء
وأقنعة طينيّةْ تتعانق تحت الشمس ولا تتفتّتُ
لا تمحوها الريح ولا الماءْ
لا تنزعها إلاّ الكلماتْ بأظافرها المدماةْ “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى