منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

تجفيف جذور المرض

نحلم بالصحة كما لو كانت هبة، لكنها في حقيقتها بناء طويل وصامت، ويُصاغ في العقول قبل الأجساد، ويُزرع في السلوك قبل أن يُرى في المستشفيات، فالصحة ليست غياب المرض هي حضور الوعي، وليست وصفة تُصرف إنما ثقافة تُعاش، وحين ندرك ذلك يتحول الإنسان منا من متلق هش إلى صانع متين لحياته، فيأكل مما ينبت في الأرض عضويًا وليس من ما تُنتجه المصانع، ويعود إلى بساطة الطبيعة حيث الغذاء الطازج الموسمي النقي، بعيدًا عن الإضافات الكيميائية والتشويه الصناعي، ويصالح جسده مع الحركة والنوم والتوازن النفسي، ويبتعد عن كل ما يُرهق فطرته ويُربك إيقاعه، وفي ذات اللحظة لا تنفصل صحة الفرد عن صحة المكان، فالأرض التي تُسقى بمياه ملوثة تُنبت مرضا، والهواء الذي يُثقل بالسموم يُنقص من أعمار الناس دون أن يشعروا، والبحار حين تُستباح تتحول إلى خزانات خفية للأذى، والمدن حين تُبنى بلا روح صحية تصبح مسارح صامتة للأمراض، لذلك يصبح الإصلاح البيئي ليس خيارًا جماليا لكن ضرورة وجودية، من إدارة رشيدة للمخلفات المنزلية والزراعية والصناعية والطبية، إلى منع تسرب الصرف في الصحاري والأدوية والأراضي الزراعية والبحر ، وضرورة تقليل استعمال البلاستيك، والاتجاه لزراعة نظيفة وتربية حيوانية مسؤولة، فكل تفصيلة صغيرة تُراكم صحة أو تُنتج مرضًا، وحين يلتقي هذا الوعي الإنساني ببيئة نظيفة عادلة، يكتمل الضلع الثالث في منظومة لا تقبل النقص، وهو نظام صحي لا ينتظر المرض بل يسبقه، نظام يُحصن قبل أن يُعالج، ويكشف مبكرًا قبل أن يتفاقم المرض، يُوثق رقميًا ليحمي الذاكرة الصحية من الضياع، ويُثقف المجتمع ليصبح شريكا وليس عبئًا، نظام صحي يرى الإنسان ككل متكامل وليس أعضاء متفرقة، فيجمع بين الجسد والنفس والعقل والسلوك، ويؤمن بأن الوقاية ليست فقط أقل تكلفة فهي أعلى قيمة وأعمق كرامة، وعند هذا الحد تتغير المعادلة الكبرى، فلا تعود الصحة سوقًا يُتاجر فيها بالخوف والألم، ولا يصبح المرض بوابة لاستنزاف الموارد، وتتحول الحياة إلى مساحة أوسع للعافية، حيث تقل الحاجة للعلاج لأن جذور المرض قد جُففت، وحيث يصبح الإنفاق استثمارًا في الحياة وليس محاولة يائسة لإطالة المعاناة، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن هذا البناء لا يقوم على المال وحده إنما على إرادة واعية وتنظيم صارم وعدالة في التوزيع وعلى إدراك عميق بأن كل قرار فردي هو لبنة في صحة المجتمع أو ثغرة في جداره، وأن كل إهمال بيئي هو دين مؤجل ستدفعه الأجيال القادمة، وأن كل انحراف عن نمط الحياة السليم هو خطوة نحو مرض يمكن تجنبه، وحين يستقر هذا الفهم في الضمير الجمعي، تتحول الصحة من عبء ثقيل إلى أسلوب حياة خفيف، ومن حلم بعيد إلى واقع يومي، ومن معركة مع المرض إلى انسجام مع الحياة، وعندها فقط نقترب من تلك الحالة التي لا تعني الخلو التام من الألم بقدر ما تعني القدرة على العيش بكرامة وعافية واتزان، حيث الإنسان سيد قراراته الصحية وليس ضحية لها، والمجتمع حارس لصحته لا مستنزف لها، والدولة راعية لنظام عادل وليس سوقًا مفتوحًا للفوضى، وهنا يصبح القول بأن الوقاية والتوعية والكشف المبكر أصح وأوفر وأرخص ليس مجرد عبارة أو شعار إنما قانون حياة، وتصبح الصحة مشروعًا حضاريًا يُبنى بالعقل والعلم والسلوك، وتصبح الحياة نفسها أكثر صفاءً ونقاءً وامتدادًا، كما لو أننا أخيرًا تعلمنا كيف نعيش وليس فقط كيف نتعالج ..

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

"المغبوب" يراهن على البهجة في أحدث أعماله «بالبهجة مُتسربلة» يستعد الكاتب والروائي الليبي "محمد عباد المغبوب"، لإصدار عمله الروائي الجديد «بالبهجة مُتسربلة» قريباً عن مكتبة "الكون" للنشر والتوزيع، في إضافة جديدة إلى المشهد الروائي الليبي المعاصر، ضمن تجربة سردية تميل إلى الاشتغال على اللغة المكثفة ذات البعد التأملي.. ويأتي هذا العمل في إطار رؤية أدبية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع تفاصيل الحياة اليومية.. وجاء على ظهر الغلاف: "أكبر من أصغر شيء وأكبر من ثانية لا تلحق بها وهي تدور حول نفسها كل دورة لها تصير ساعة تحسب عمرها أو هي كديك تجمع كلام الصمت من على رصيف عمرها فلا أحد يتبعها ولا غيره يلتفت إليها لأن رصيف الليل يضم البؤساء والحمقى والمدينة كلها تختبئ في جيوب معطفها ليست مبالية بشيء أو بأمر فهي مكتفية بنفسها وهذا الفرح الذي منحته لها تقفز فوق حزن مرتقب وفي الليل تشعل أصابعها شموعاً تخترق من أجلها. فهي الأميرة على نفسها بالبهجة متسربلة"..

“المغبوب” يراهن على البهجة في أحدث أعماله «بالبهجة مُتسربلة»

يستعد الكاتب والروائي الليبي “محمد عياد المغبوب“، لإصدار عمله الروائي الجديد «بالبهجة مُتسربلة» قريباً عن …