منصة الصباح
تامر العلواني… حين كان اللحنُ طبيبًا آخر للروح...!

تامر العلواني… حين كان اللحنُ طبيبًا آخر للروح…!

اعداد …حنان علي كابو

لم يكن تامر العلواني عابرًا في الموسيقى، ولا طارئًا على الطب.

كان استثناءً هادئًا، من أولئك الذين يمرّون بخفّة، لكنهم يتركون أثرًا يشبه الندبة الجميلة في الذاكرة.

في صباحات بنغازي، كان طبيب عظامٍ يُنصت لآلام الجسد،وفي لياليها، كان ملحنًا يُداوي ما لا تُظهره الأشعة ولا تُجديه المسكنات:

وجع الروح.

ولد تامر العلواني عام 1974، وتخرّج من جامعة العرب الطبية، ليشق طريقه كاستشاري في طب وجراحة العظام. مهنةٌ تتطلب صرامة علمية، لكنها لم تُلغِ ذلك الطفل الخفيّ فيه، الذي كان يسمع الموسيقى بوصفها حياةً ثانية. لم تكن الألحان عنده هوايةً جانبية، بل مسارًا موازيًا، يسير بصمتٍ وبلا ضجيج.

كان يكره الأضواء، ويُفضّل أن تُعرَف ألحانه لا صورته.

لذلك حين انتشرت أغنية «ضي القمر صيّاد» بصوت محمد محسن، لم يسعَ إلى الظهور، بل اكتفى بأن يرى لحنه يُسافر بعيدًا، ويجد مكانه في قلوب لا تعرف اسمه، لكنها تحفظ نبرته.

يقول تامر: «النص المحكي لا يُلحن، بل يُعاش».

عبارة تختصر فلسفته الفنية كاملة.

منذ عام 2003، ومع تعرفه على شعراء مثل محمد الدنقلي وسالم العالم، تشكّلت علاقته العميقة بالكلمة المحكية، لا كمواد خام، بل ككائنات حيّة تحتاج من يسمعها قبل أن يعيد صياغتها موسيقيًا.

في «لأنك تشبه السكر» لم يكن يغني فقط، بل كان يكشف هشاشته الخاصة.

صوته البسيط، والتسجيل المتواضع، لم يمنعا الأغنية من أن تصبح واحدة من أكثر أعماله قربًا من الناس. ربما لأن الصدق لا يحتاج جودة عالية، بل إحساسًا حقيقيًا.

آخر أعماله، «أنتِ الحياة»، التي نشرها في مارس 2025، بدت وكأنها رسالة وداع غير معلنة.

أغنية أهداها للمرأة، للأم، لبنغازي، ولليبيا.

كأن تامر، وهو يصارع المرض، قرر أن يترك صوته أخيرًا في العلن، بعد سنوات من الاكتفاء بالظل.

في 7 أبريل 2025، رحل تامر العلواني بعد عملية جراحية معقدة، تاركًا صدمة مزدوجة:

في الوسط الطبي الذي فقد طبيبًا خلوقًا،

وفي الوسط الفني الذي خسر ملحنًا نادرًا لم يستهلكه الاستعراض.

والمفارقة المؤلمة، أن أرشيفه الموسيقي اختفى من «يوتيوب» بعد رحيله، كأن الغياب لم يكتفِ بالجسد، بل حاول أن يمحو الصوت أيضًا.

لكن الأصوات الحقيقية لا تُحذف…

هي تبقى، تتسرّب، وتعود كلما احتجنا لحنًا يُشبهنا.

تامر العلواني لم يكن نجمًا صاخبًا،

كان نغمة صامتة،

وكل نغمة صادقة،

تظل منقوشة في الذاكرة.

شاهد أيضاً

من «هدرازي» إلى التوقيف..”فرج عبدالكريم” ينسحب من الساحة.

أثار توقيف الفنان الليبي “فرج عبدالكريم” لدى مديرية أمن بنغازي، حالة واسعة من الجدل في …