يكشف معرض “جَــرد” للفنان التشكيلي عبد العزيز أبو صبيع عن تجربة فنية متكاملة تمزج بين الرمزية والتأمل والفكر الاجتماعي. هنا، لا تُعرض اللوحات كصور مستقلة، بل كحوار مستمر مع الهوية الليبية، مع الماضي والحاضر، ومع روح المكان والإنسان.
تنبض أعمال الفنان بالحياة اليومية، وتستحضر هيبة الجرد الليبي الأبيض كرمز متجذر في الذاكرة الجماعية، بينما تتخلل المشهد جلسات المقهى الشعبي، ولعب الورق، وتجمعات الفرسان بالألوان والزخارف التقليدية. كل عنصر يروي جزءًا من الحكاية، وكل لون وكل ضوء يساهم في نقل إحساس الفنان بضجيج الحياة ودفء التواصل الاجتماعي، متجاوزًا الواقعية البصرية إلى تجربة وجدانية متكاملة.

في لوحة “تبايُن | أطفال الضوء البارد”، يعكس الفنان تحولات العصر الحديث؛ حيث يضيء الضوء من الشاشات وجوه الأطفال دون أن ينير دواخلهم، في تلميح صامت إلى فقدان العمق الداخلي في زمن تتفوق فيه الشاشة على الفكر. بينما في “الملك | في ذكرى الاستقلال”، تتحول الألوان الملكية والترابية إلى دراسة متقنة في الهيبة والتواضع، القوة والحكمة، العلاقة بين الإنسان وأرضه.

تتوسع اللوحات لتستحضر الاغتراب الداخلي واللجوء إلى الطبيعة، كما في “عزلة | دفء الروح في صقيع الغربة”، حيث تتقاطع السماء والنار لتشكل مساحة من الدفء والاحتواء الروحي، وتجسد علاقة الفنان بالعزلة والسكينة في مواجهة صخب العالم. وفي “النساج | وجه من زوايا طرابلس”، يحتفل الفنان بالحرفة التقليدية، بالصبر والالتزام والارتباط بالتراث، موثقًا اليد التي تمسك بالحقيقة وسط عصر متسارع، ليصبح النساج رمزًا للصلة بين الماضي والحاضر، بين الإنسان وفنه.
أما في “ملاذ | ظلال تحتضن الحقيقة”، فتتجسد الرمزية في أقصى صورها، حيث تتلاقى الظلال مع الحقيقة لتصبح لغة صامتة للتأمل الداخلي، تتيح للمتلقي مساحة لاكتشاف دفء الروح وسط التعقيدات المعاصرة.
وفي أعمال معرض “جَــرد” الحديثة، تتألق لوحة “الكاسكا | رقصة الكاسكا” كرمز حي للفرح والطاقة الجماعية، حيث تتناغم الحركات والألوان لتروي حكايات الأرض، وتجمع الأجساد في وحدة تعكس الهوية والانتماء وروح الاحتفال بالتراث. الضوء والظل واللون والانسجام بين الواقعية والانطباعية تجعل الرقصة أكثر من مجرد حركة؛ إنها حكاية بصرية مكتملة، ودعوة للتأمل في التراث والإنسان والروح.
ما يربط كل هذه الأعمال معًا هو تمكن الفنان من خلق سرد بصري متكامل، حيث يتحول اللون والظل والحركة والرموز إلى لغة صامتة، تتحدث إلى المتلقي عن النور الداخلي والذاكرة الجماعية، والهوية الليبية في أبهى صورها. كل لوحة هي دعوة لإعادة القراءة والتأمل، لتكشف عن علاقة الإنسان بمكانه، بزمانه، وبروحه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية