أجتماعيألرئيسيةفتحية الجديدى

بائع الورود

كلمة

فتحية الجديدي

مرّ من أمامنا على دراجته حاملاً سلة كبيرة مليئة بالورود، يضعها على مقدمتها قائلاً «هل تشتري ؟»

ويتبعها صادحاً بصوتٍ عالٍ «ورد .. ورد»

مع إطلاق جرس خفيف تنبيها للمترجلين والواقفين بالفضاء الأرضي بكورنيش الشط بطرابلس ، شاب صغير في مقتبل العمر يبيع للناس ما تتيمن به عواطفهم في مشهدية ساحرة، لا أبالغ حين أقول أنها في غاية الروعة، وقد زينها في الخلفية أناس يتكئون علي السياج الحجري المطل على البحر ويطلقون العنان لأرواحهم لمعانقة السماء في إحدى ليالي المدينة.

هذا البائع اللطيف الذي لوّن سلته بالمحبة بألوان وروده الحمراء والبيضاء والصفراء الممتزجة بحالات الموجودين، وهم ينظرون إليه بابتسامة غير متكلفة، كأنهم يخبرونه بأسرارهم التي لا تزال قيد الصُنع ، بل يحاول البعض ملاحقته ليعود مرة أخرى بمحاذاتهم ويحكي لهم عن سلعة جميلة اختارها لتكون مصدر للرزق ومفتاحاً إلى قلوبهم وسببا لبوحهم – ربما.

لم نطلب منه وردة ولم نحك له بأننا أصدقاء ولم نحمله فلسفات أخرى تعيده إلى مكان قريب من مناطق البيع ويذهب بها إلى المحبين، وبعيداً عن ثنائيات اتفقت على سماع بعضها، في فضفضة لا تتعدى حدود الوجع ، بل تركناه يسرد لنا تفاصيل بعض الحكايات وهو يقبض على صغيرات الورود ويميل بها نحونا.

خجل صديقي دعاه ليشتري لي وردة وطلب منه أن تكون حمراء واحترم رغبتي في أحملها بهدوء إلى حقيبتي وأخفيها، وتنتهي صورة عاطفة محجمة بالثناء والتقدير وكأننا أردنا أن نلتقط لحظة تخص الآخرين ونسدل الستارة عن ما قد يأتي، البائع الذي غادرنا بناقوسه وحركاته السريعة لأقدامه الطويلة الضاربة في كَبسات عجلات الدراجة اليدوية اعتبرناه مظهراً من مظاهر الرقي والجمال التي اختفت عن العاصمة لفترة طويلة وعادت لتنقل أهلها من القلق إلى الاستقرار بعض الشيء، ومؤشر جيد على الأمان في أن تكون الورود حاضرة كنوع من الدعم النفسي وإضافة للرومانسية المفقودة في مجتمعنا – التي يفتقدها للأسف – وونس من كائن حيّ تم قطفه عن أمه ليسعدنا نحن البشر ويحتل فسحة من وقتنا الذي نقضيه خارج البيت نتيجة الأزمة المتلاحقة المتمثلة في انقطاع الكهرباء ونحن نبدل الظلمة بضوء الطريق وحالة الملل بالفسحة، ونتخلص من صمتنا ووحدتنا برفقاء نشاركهم همومنا ..

شكراً لك بائع الورود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى