كيف تحولت برامج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو خلال 2025 من حماية الأطلال إلى بناء القيادات، وماذا تحمل أولويات 2026 للمصالحة الوطنية؟
في الوقت الذي لا تتوقف فيه التحديات السياسية والأمنية المستمرة التي تعصف بالنسيج الوطني، يبرز عمل مكتب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) كعمود استقرار ثابت، يركز على صيانة الذاكرة الثقافية وتمكين العقل الليبي.
مع قرب انتهاء عام 2025، الذي كان فصلاً حاسماً ضمن مظلة إطار الأمم المتحدة للتعاون في مجال التنمية المستدامة للفترة 2023-2025، يكشف تقييم إنجازات المنظمة عن تحول استراتيجي عميق؛ إذ انتقل التركيز من مجرد الإغاثة إلى البناء المؤسسي المستدام، ممهداً الطريق لأولويات أكثر عمقاً في عام 2026.
فلم يكن عام 2025 مجرد استمرار للبرامج الروتينية، بل كان مرحلة لتثبيت الملكية الوطنية الليبية لقطاعات اليونسكو الأساسية ضمن مساعي الإطار الأممي للانتقال من العمل الإنساني إلى التنموي ، فكان التدخل الأكثر قوة هو تعزيز القدرات الوطنية في إدارة التراث المهدد، فقد تجاوز العمل مجرد الرصد إلى التحصين الفعلي، حيث أكملت اليونسكو تدريب دفعات متقدمة شملت ما يزيد عن 150 مختصاً ليبياً من دائرة الآثار وأجهزة الجمارك والأمن على تقنيات الجرد المتقدمة ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الأثرية، وفي تطبيق مباشر لـ اتفاقية 1970 الدولية، علاوة على ذلك، تم استخدام تقنيات متقدمة للتوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد لمواقع أثرية مصنفة عالمياً مثل لبدة الكبرى وشحات، مما وفّر طبقة حماية لا تقدر بثمن ضد أي تدهور مستقبلي.
هذا الإنجاز يعزز السيادة الثقافية الليبية، مؤكداً أن حماية الإرث مسؤولية وطنية بدعم دولي، وهو ما يرسخ القيمة الإنسانية للمنظمة بتحويلها الأطلال إلى رمز للثقة الوطنية الجامعة. وتندرج هذه الجهود تحت مشاريع “التدخل الطارئ لتأمين المتاحف والمعالم الأثرية”، مع استمرار التركيز على أهمية التراث المادي وغير المادي في تعزيز التماسك الاجتماعي.
وفي محور التربية والعلوم ، أثبتت برامج التعليم مرونة فائقة، خاصة في أعقاب الكوارث الطبيعية، حيث نجحت اليونسكو بالتعاون مع السلطات المحلية في دعم إعادة تأهيل وتوفير الموارد لضمان عودة عشرات الآلاف من الطلاب إلى المدارس المتضررة، مؤكدة أن الحق في التعليم لا يتوقف عند الأزمات.
وفي خطوة لربط المعرفة بالتنمية، دعم برنامج “تعزيز التكنولوجيا والابتكار” جهود الجامعات والهيئة الليبية للبحث العلمي لتوجيه الأبحاث نحو التنمية المحلية، وتحديداً في مجالات الطاقة المتجددة، مما يشكل استثماراً استراتيجياً في اقتصاد المستقبل وبناء رأس المال البشري.
هذا التركيز التعليمي شمل دعم “التعليم في حالات الطوارئ” والمشاركة الرسمية لوزارة التربية والتعليم الليبية في “أسبوع التعلم الرقمي 2025” لمناقشة دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم.
وعلى محور الإعلام والمعلومات كان العمل استجابة ضرورية لمكافحة “الوباء المعلوماتي”، مع ازدياد الاستقطاب الاجتماعي، ركزت المنظمة في 2025 على تحصين البيئة الإعلامية، حيث تم تدريب ما يربو على 100 صحفي محلي على معايير المهنية الدولية وأخلاقيات التغطية الحساسة للنزاعات،و الأهم من ذلك، تم توسيع حملات محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية لتمكين الشباب والمجتمع المدني من التمييز بفاعلية بين المعلومات المضللة وخطاب الكراهية. يساهم هذا الجهد مباشرة في خفض درجات الاستقطاب الاجتماعي وتعزيز الحوار المدني، مما يؤكد أن اليونسكو تعمل كصمام أمان للأمن المعرفي.
وتنطلق استراتيجية اليونسكو لعام 2026 كما هو متوقع من تقييم منجزات العام المنصرم، وتتجه نحو البرمجة الوطنية الشاملة والتركيز على العنصر البشري كأداة للمصالحة، خاصة مع انتهاء الإطار التعاوني 2023-2025. ومن المرجح أن يكون في طليعة الأولويات التحول النوعي للتركيز على التراث غير المادي ودوره في المصالحة، اذ يهدف هذا العمل إلى تحويل التراث الليبي غير المادي كالقصص الشفوية والموسيقى والحرف، إلى أداة لتعزيز الهوية الجامعة، كما أن التحليل العميق هنا يشير إلى أن التركيز على هذه المشتركات الثقافية يمثل جسراً عابراً للنزاعات القبلية والإقليمية، يوحد الليبيين حول ماضيهم المشترك، ويدعم جهود المصالحة الوطنية بشكل غير مباشر، مع الانتقال في التراث المادي من التوثيق إلى تنفيذ مشاريع ترميم صغيرة مستدامة بالتعاون مع البعثات الدولية.
وبالنسبة لقطاع التعليم، يتوقع أن تتجه الخطة نحو دفع عجلة التحول الرقمي التعليمي عبر دعم صياغة وتنفيذ استراتيجية وطنية للتعليم الرقمي وتطوير منصات التعلم عن بعد، و الهدف ليس مجرد رقمنة المناهج، بل ضمان استدامة وجودة التعليم بغض النظر عن الأوضاع الأمنية أو الجغرافية، مما يوفر فرصة متكافئة لجميع الطلاب.
و في محور الإعلام، سيكون التركيز على ترسيخ الإطار التشريعي بتقديم المشورة الفنية للسلطات الليبية لإصلاح قوانين الإعلام والوصول إلى المعلومات لتتوافق مع المعايير الدولية، و هذا العمل بالغ الأهمية، فبدلاً من الدعم المؤقت، يهدف هذا البند إلى ترسيخ حرية التعبير كحق دستوري وقانوني دائم، مما يحمي الدور الرقابي للإعلام ويقلل من تأثير التغيرات السياسية على استقلاليته، مع توجيه الدعم لوسائل الإعلام المجتمعية لتعزيز الحوار في المناطق النائية.
إن تقييم عمل اليونسكو في ليبيا لعام 2025 يؤكد أن المنظمة لا تقدم حلولاً سطحية، بل تستثمر في المقومات الجوهرية لبقاء الدولة واستقرارها: الذاكرة، والمعرفة، والحوار. ان هذا التركيز على التمكين المؤسسي والاستثمار في العقل البشري هو الذي يرسخ القيمة الإنسانية لليونسكو، حيث يرتكز عمل المنظمة في أن الثقافة والتعليم الأسلحة الأكثر فاعلية ضد التطرف والانقسام، هذا العمل هو رهان استراتيجي على قدرة ليبيا على التعافي والنهوض، عبر بناء السلام في عقول مواطنيها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية