منصة الصباح
د. علي عاشور

بَيْع الوَطَنِيةِ… وَكَسْرُ الهُوِيَّةِ

باختصار

     في اللحظات التاريخية التي تتكاثر فيها الأسئلة حول معنى الدولة وحدودها وقدرتها على حماية ذاتها، تبرز جهود مكتب النائب العام بوصفها جهود جادة لإعادة الاعتبار لهيبة القانون، من خلال ملاحقة أحد أخطر الجرائم التي يمكن أن ترتكب في حق المجتمع، وهي جريمة (تزوير بيانات الأحوال المدنية) وبيع الوطنية مقابل المال.

يوماً بعد يوم تطالعنا منشورات صفحة النائب العام على الفيس بوك بوقائع في طبرق والبيضاء وطرابلس وغريان وتيجي…… وغيرها، تكشف عملاً دؤوباً يستهدف وقف المستخرجات المزورة، وحبس المتورطين، وتتبع المنافع المتحصلة من الجريمة، وهو جهد لا يمكن القفز عليه أو التقليل من أهميته، لأنه يلامس جوهر السيادة لا هامشها.

لكن ما يطفو على السطح من هذه القضايا أخطر من مجرد أفعال فردية أو تجاوزات معزولة…. نحن أمام نمط متكرر، يكاد يتحول إلى ظاهرة، تكشف لنا كيف تحول السجل المدني -في بعض مكاتبه- من مؤسسة سيادية تحفظ هوية الدولة إلى منفذ يدار بمنطق السوق، حيث تعرض فيه الوطنية للبيع، ويساوم فيها على الانتماء…. فحين يتمكن عشرات، بل مئات الأجانب، من الحصول على أرقام وطنية، وجوازات سفر، ومنح ودعم مخصص لليبيين، فإن السؤال لم يعد قانونيا وأمنياً فقط، بل وجودياً أيضاً: أي دولة يمكن أن تقوم إذا كانت هويتها قابلة للبيع وللتزوير؟

الوطنية يا سادة ليست رقما يُمنح، ولا قيداً عائلياً يتم تزويره، ولا توقيع موظف يضفي الشرعية على الباطل…. الوطنية عقد أخلاقي وقانوني بين الفرد والأرض، وحين يفرط فيه موظف مقابل مبلغ مالي (مهما كانت القيمة)، فإن الجريمة لا تقع على الدولة وحدها، بل على المجتمع كله، وعلى المواطن الذي يعلم ولا يسعي للمكافحة بأي طريقة.

الأخطر أن آثار هذه الجرائم لا تظهر فوراً، بل تتراكم في صمت: خلل في التركيبة السكانية والأنساب، استنزاف للمال العام، تشويه للبيانات الرسمية، وفتح أبواب واسعة للفساد والجريمة المنظمة…

صحيح أن النيابة العامة تتقدم بخطى ثابتة في المواجهة، لكن الحقيقة المؤلمة أن المعالجة الجنائية وحدها لا تكفي إن لم تصاحبها مراجعة شاملة لمنظومة الأحوال المدنية، تبدأ من التشريع ولا تنتهي عند الرقمنة، وتمر حتماً بإعادة بناء أخلاقي لمفهوم الوظيفة العامة.

باختصار، إن الدولة التي تعجز عن حماية سجلها المدني تعجز -بطبيعة الحال- عن حماية حدودها، وإذا استمر بيع الوطنية في الظل، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الأرقام المزورة، بل في تآكل معنى الانتماء لهذا الوطن نفسه، إلى أن نصحو يوماً وقد اختلط الحقيقي بالمزور، وضاع الوطن بين الأرقام والأسماء، وحينها لن يكون السؤال من زور، بل من صمت، ومن شارك، ومن سمح بأن تتحول الهوية من عقد وطني إلى سلعة، ومن الدولة إلى جماعة هشة قابلة للبيع والتلاشي.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

سيف الإسلام.. وغموض الساعة الأخيرة

شكَّل الإعلان عن اغتيال سيف الإسلام القذافي حدثًا لافتًا في سياقه السياسي والأمني، ليس فقط …