إعداد/ مني عريبي
أزمة مستدامة تواجه البشرية
في عصرنا الحالي، لم تعد مشكلة نقص المياه مقتصرة فقط على المناطق القاحلة أو الجافة، بل تحولت إلى أزمة عالمية شاملة تعكس عدم التوازن الحاد بين الموارد المائية المتاحة وكمية الاستهلاك البشري لها. فالأمر لم يعد مجرد ندرة موسمية أو ظرفية، بل تجاوز ذلك إلى تآكل رأس المال الطبيعي للمياه، حيث تنضب الأنهار، وتتقلص الخزانات الجوفية، وتتدهور الأنظمة البيئية التي تحتفظ بالمياه وتعيد تجديدها.
تقرير الأمم المتحدة الجامعي الجديد يؤكد أن العالم قد دخل في مرحلة “الإفلاس المائي”، وهذا المصطلح يشير إلى حالة حرجة حيث تستهلك المجتمعات المياه بمعدلات تفوق قدرة الطبيعة على التجدد، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد الأساسية بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة. لكن المفاجأة والرسالة الأهم في هذا التقرير أن الإفلاس المائي ليس نهاية الطريق أو حالة ميؤوس منها، بل هو بمثابة إنذار لبدء خطة تعافي منظمة واستراتيجية تحكم إدارة الموارد المائية بشكل مستدام.
خطة التعافي هذه تتضمن مجموعة من الإجراءات الحاسمة تبدأ بوقف النزيف المائي، وحماية الخدمات الأساسية للمياه، إلى جانب إعادة هيكلة نمط الاستهلاك الذي أصبح غير مستدام، خاصة في القطاعات ذات الاستخدام الكثيف للمياه مثل الزراعة والصناعة. ويشدد التقرير على أهمية الاستثمار في إعادة بناء قطاع المياه، من خلال تحسين البنية التحتية وتبني التقنيات الحديثة للترشيد وتحسين الكفاءة.
لا يكفي الاعتماد على حلول قصيرة الأجل أو استجابات موسمية، إذ يدعو التقرير إلى التحول العاجل نحو استراتيجية شاملة تشمل تقليل الطلب على المياه، وإعادة توزيعها بشكل أكثر عدالة وكفاءة. ويتطلب ذلك إجراءات ملموسة مثل تغيير أنماط استهلاك المياه في الزراعة إلى أساليب أكثر ذكاءً وفعالية، ومحاربة السحب غير القانوني للمياه الذي يفاقم الأزمة، والحد من التلوث الذي يهدد جودة الموارد المتاحة.
الأهم من ذلك كله، هو ضمان انتقال عادل للأفراد والقطاعات المتضررة من هذه التحولات، لضمان استقرار اجتماعي واقتصادي خلال عمليات إعادة الهيكلة هذه، مع مراعاة تأثير التغيرات المناخية التي تزيد من تعقيد إدارة المياه.
في نهاية المطاف، تمثل أزمة الإفلاس المائي تحديًا يفرض علينا التفكير بعمق وإعادة تصميم العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ومع ذلك، فإنه يمثل أيضًا فرصة حقيقية للتحول نحو مستقبل أكثر استدامة، إذا ما التزمنا بخطط مدروسة تجمع بين الحماية البيئية، الإدارة الرشيدة، والتعاون الدولي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية