منصة الصباح

المشاعر أولًا: نحو مراجعة استراتيجية لإدارة الحج الليبي

د مجدي الشبعاني

بدايةً، نحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لحجاج بيت الله الحرام أداء مناسكهم، ونسأله أن يتقبل منهم حجهم وسعيهم، وأن يردهم إلى أهلهم سالمين غانمين. كما ينبغي أن نتذكر أن الحج موسم عبادة وطاعة وذكر لله تعالى، وليس موسمًا للجدال أو التنازع أو تبادل الاتهامات، امتثالًا لقوله عز وجل: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

وفي الوقت ذاته، فإن النصح وإبداء الملاحظات بقصد الإصلاح وتحسين الخدمة للحاج الليبي أمر مطلوب، خاصة عندما تتكرر بعض الإشكالات من موسم إلى آخر.

الحقيقة أنني أتابع ما يُثار هذه الأيام بشأن أوضاع الحجاج الليبيين، وأرى أن جزءًا كبيرًا من النقاش يذهب إلى أمور ليست هي جوهر المشكلة. فالإشكال الحقيقي لا يبدأ في الفنادق أو في الاستقبال بمكة المكرمة، وإنما يبدأ عند الوصول إلى المشاعر المقدسة؛ إلى منى وعرفة ومزدلفة والجمرات، حيث يُختبر التنظيم الحقيقي لأي بعثة حج، وحيث تظهر كفاءة المنظومة أو مواطن قصورها.

ومن خلال تجربة شخصية عايشت فيها الحج عن قرب، أستطيع القول إن أغلب ما يُتداول اليوم من شكاوى لا يتعلق بمستوى الفنادق بقدر ما يتعلق بالمراحل الأكثر مشقة وتعقيدًا من الرحلة. فقد رأيت بنفسي حجاجًا من كبار السن ينزلون من الحافلات في محيط المشاعر ثم يقضون وقتًا طويلًا في البحث عن مخيماتهم، ويتنقلون بين المسارات والمخيمات في ظل درجات حرارة مرتفعة وإجهاد شديد، بسبب غياب الإرشاد الميداني الكافي أو عدم وجود من يستقبلهم ويوجههم منذ اللحظة الأولى للنزول من الحافلات.

كما رأيت حجاجًا يصلون إلى المخيمات بعد مشقة طويلة ليجدوا أنفسهم أمام حالة من الارتباك في التسكين أو البحث عن أماكنهم، في حين أن المفترض أن تكون أماكن الحجاج محددة سلفًا وأن توجد فرق استقبال واضحة ومهيأة للتعامل مع هذه اللحظات الحساسة التي يكون فيها الحاج في أقصى درجات الإرهاق.

وهنا يبرز سؤال جوهري أراه في صميم المشكلة: كيف نطلب من المرشد أن يكون حاجًا ومشرفًا ومنسقًا ومرافقًا وموجهًا في الوقت نفسه؟

فالمرشد الذي يؤدي المناسك ويتنقل بين المشاعر ويعيش ذات ظروف الحاج من حيث التعب والإجهاد والزحام، لا يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه دور الموظف المتفرغ المكلف باستقبال الحجاج وإرشادهم ومتابعة شؤونهم على مدار الساعة. ولذلك فإن المشكلة ليست فقط في التدريب أو الخبرة، بل في طبيعة النموذج الإداري نفسه.

وفي تقديري، فإن أحد أوجه الخلل الأساسية يتمثل في الاعتماد على نموذج موسمي قائم على الانتداب أكثر من اعتماده على جهاز مهني متخصص ومتفرغ. فالكثير من المهام الحيوية تُدار بواسطة أشخاص يؤدون أدوارًا متعددة في وقت واحد، بينما تحتاج خدمة الحجاج إلى كوادر احترافية متخصصة تتراكم لديها الخبرة من موسم إلى آخر وتخضع للتدريب والتقييم المستمر.

بل إن من المهم التفكير في الفصل بين الوظائف المختلفة داخل البعثة. فهناك فرق بين المرشد الديني الذي يجيب عن الأسئلة الشرعية ويصاحب الحجاج في أداء المناسك، وبين المشرف الميداني المكلف بالتسكين والاستقبال، وبين مسؤول النقل والحركة، وبين فرق الدعم والإسناد. أما الجمع بين هذه الأدوار في شخص واحد، فإنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى إرهاق القائمين على الخدمة وإضعاف جودة الأداء.

وللإنصاف، فإن رئيس الهيئة والعاملين بها يبذلون جهودًا كبيرة ومشكورة، وقد أشار رئيس الهيئة نفسه إلى حجم العمل المبذول في تنظيم المخيمات وتقسيم التنسيقيات وتحديد المواقع وتلوين المسارات. غير أن المشكلة ليست دائمًا في الخطة أو الخرائط أو الألوان، بل في العنصر البشري الموجود على الأرض ساعة التنفيذ. فحتى أفضل الخطط تحتاج إلى كوادر متفرغة وقادرة على تنفيذها ومتابعتها ميدانيًا.

كما أرى أن الوقت قد حان للعودة بجدية إلى الملاحظات التي سجلتها الأجهزة الرقابية خلال السنوات الماضية. فالكثير من الإشكالات التي نسمع عنها اليوم ليست جديدة، بل سبق التنبيه إليها في أكثر من تقرير وأكثر من موسم، وهو ما يقتضي الانتقال من مرحلة الرصد والتشخيص إلى مرحلة المعالجة والإصلاح.

غير أن القضية في تقديري أعمق من مجرد تطوير بعض الإجراءات أو زيادة عدد المشرفين أو تحسين وسائل النقل، فهي تتعلق بالنموذج الذي تُدار به منظومة الحج الليبية برمتها. وربما لا نحتاج فقط إلى تحسين إدارة الحج، بل إلى إعادة التفكير في فلسفة إدارة الحج الليبي نفسها.

فبعد سنوات طويلة من المواسم المتعاقبة، لا يزال الليبيون يسمعون تقريبًا الملاحظات ذاتها: إشكالات في بعض إجراءات التأشيرات وإدخال البيانات، وملاحظات تتعلق بالنقل والتسكين، وصعوبات تظهر في المشاعر، ثم ملاحظات أخرى تتعلق بالمدينة المنورة أو بمواعيد العودة وتنظيمها. وعندما تتكرر الملاحظات ذاتها عبر سنوات متعددة، فإن ذلك يدفعنا إلى التفكير في الاستراتيجية نفسها لا في تفاصيلها التنفيذية فقط.

وعند النظر إلى تجارب عدد من الدول العربية والإسلامية، خصوصًا في بعض دول الخليج والمغرب العربي، نلاحظ أن التركيز الأكبر ينصب على جودة الخدمات داخل المشاعر وإدارة الحشود والإرشاد الميداني وسهولة الحركة والتنقل، لأن نجاح موسم الحج يُقاس في منى وعرفة ومزدلفة أكثر مما يُقاس في بهو الفندق أو مستوى الإقامة.

أما في التجربة الليبية، فيبدو أحيانًا أن جانبًا معتبرًا من الجهد والإنفاق يتجه إلى الإقامة الفندقية والطيران، بينما تبقى التحديات المرتبطة بالمشاعر والتنقل والإرشاد والتسكين والخدمات الميدانية هي الأكثر تأثيرًا على راحة الحاج والأكثر حضورًا في الشكاوى المتكررة.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل من الأفضل أن نستمر في النموذج الحالي القائم على نقل الحجاج لمسافات طويلة بين المشاعر والفنادق البعيدة نسبيًا، أم أن الوقت قد حان لدراسة نماذج أخرى تجعل الخدمات أكثر ارتباطًا بالمشاعر نفسها وتقلل من أعباء التنقل المستمر؟

فالواقع أن الحاج لا يستفيد كثيرًا من فندق فاخر إذا كان يقضي جزءًا معتبرًا من يومه في الحافلات أو في الانتظار أو في البحث عن وسيلة نقل توصله إلى مقصده. وربما يكون من الأجدى توجيه جزء أكبر من الإنفاق نحو تحسين الخدمات داخل المشاعر نفسها، وتطوير المخيمات، وتعزيز الإرشاد الميداني، ورفع كفاءة فرق الاستقبال والتسكين، لأن هذه هي الجوانب التي يلمسها الحاج مباشرة في أكثر مراحل الرحلة مشقة وتأثيرًا.

كما أن تقييم موسم الحج لا ينبغي أن يقتصر على أيام المشاعر وحدها، بل يجب أن يشمل الرحلة بأكملها منذ مرحلة التسجيل وإدخال البيانات واعتماد القوائم، مرورًا بإجراءات التأشيرات والسفر والنقل والتسكين والخدمات الميدانية، وصولًا إلى مرحلة العودة إلى أرض الوطن. فالملاحظات التي تتكرر كل عام لا تتوقف عند المشاعر، بل تمتد أحيانًا إلى ملفات التأشيرات، وإلى ترتيبات العودة، وإلى بعض الخدمات المقدمة في المدينة المنورة، وهو ما يفرض نظرة شاملة إلى كامل دورة الخدمة.

وفي هذا الإطار، قد يكون من المناسب التفكير في نماذج أكثر مرونة وحداثة لإدارة بعض الجوانب التشغيلية. فبدل أن تتحمل الهيئة بمفردها جميع التفاصيل التنفيذية، يمكن دراسة توسيع نطاق الشراكة مع القطاع الخاص وفق ضوابط قانونية ورقابية صارمة، بحيث تتولى شركات متخصصة بعض المهام التشغيلية والخدمية وفق عقود أداء واضحة ومؤشرات قياس معلنة، بينما تتفرغ الهيئة للتخطيط والتنظيم والرقابة والتقييم.

فالعالم يتجه اليوم إلى الفصل بين الدور التنظيمي والدور التشغيلي، وإلى الاستفادة من خبرات الشركات المتخصصة في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والنقل والإقامة، مع بقاء الدولة محتفظة بكامل سلطتها الرقابية والتنظيمية.

إن نجاح أي مؤسسة لا يقاس بقدرتها على إدارة موسم واحد، بل بقدرتها على التعلم من أخطاء المواسم السابقة وتطوير أدائها بصورة تراكمية. فالمؤسسة الناجحة هي التي تتحول فيها الملاحظات إلى خطط إصلاح، والتقارير الرقابية إلى برامج تطوير، والتجارب المتراكمة إلى معرفة مؤسسية تحفظها الأنظمة والإجراءات لا الذاكرة الفردية للأشخاص.

وأخيرًا، فإن هذه الملاحظات لا تُكتب من باب النقد أو التقليل من جهود أحد، وإنما من باب الحرص على الحاج الليبي، وعلى الأموال العامة التي تُنفق، وعلى ضرورة الاستفادة من التجارب المتراكمة عبر السنوات.

فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل موسم ليس: كم كان عدد الحجاج؟ ولا كم كان عدد الرحلات أو الفنادق؟ بل: هل عاد الحاج الليبي وقد أدى نسكه بيسر وكرامة وطمأنينة؟

فإذا كانت الإجابة نعم فقد نجحنا، وإن كانت الإجابة لا، فعلينا أن نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة النموذج بأكمله، لا بعض تفاصيله فقط.

فخدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد مهمة إدارية، بل أمانة شرعية ووطنية وإنسانية، وكل تطوير يُخفف المشقة عن الحاج الليبي ويعينه على أداء نسكه بكرامة وسكينة، هو استثمار في عبادة عظيمة قبل أن يكون استثمارًا في خدمة عامة.

شاهد أيضاً

«أيام قورينا المسرحية» تستلهم أسطورة الحورية مروّضة الأسد

«أيام قورينا المسرحية» تستلهم أسطورة الحورية مروّضة الأسد

أعلنت فرقة المسرح القوريني بمدينة شحات عن إطلاق الدورة الأولى من «أيام قورينا المسرحية»، في …