ألرئيسيةرأيسليم الزريعي

العناد‭ ‬السياسي‭ …‬وصفة‭ ‬لغياب‭ ‬العقل‭ ‬

بقلم / سليم يونس

ربما‭ ‬لن‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬التي‭ ‬تُلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬من‭ ‬المجتمعات،‭ ‬كتلك‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الظلمة‭ ‬بالغة‭ ‬الحلكة‭ ‬أنتجتها‭ ‬حالة‭ ‬العناد‭ ‬السياسي،‭ ‬وهي‭ ‬ظلمة،‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬تتيح‭ ‬مجالا‭ ‬للرؤية‭ ‬الموضوعية‭ ‬والتقدير‭ ‬الصائب‭ ‬للموقف؛‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬يحسن‭ ‬من‭ ‬يعيشون‭ ‬واقعها‭ ‬والفاعلين‭ ‬فيها‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معها؛‭ ‬عبر‭ ‬نضج‭ ‬فكري‭ ‬وسياسي‭ ‬ومجتمعي‭ ‬وحس‭ ‬إنساني‭ ‬بالآخر‭ ‬المختلَف‭ ‬معه،‭ ‬ضمن‭ ‬جغرافيا‭ ‬الوطن‭.‬
والتجربة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬بما‭ ‬تجلبه‭ ‬من‭ ‬فوضى؛‭ ‬تصبح‭ ‬ككرة‭ ‬الثلج‭ ‬التي‭ ‬تكبر‭ ‬كلما‭ ‬تباعدت‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬المسؤول،‭ ‬وتُرك‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحا‭ ‬لكي‭ ‬يحل‭ ‬العناد‭ ‬محل‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬السياسية،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬ربما‭ ‬يشجع‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬ذلك‭ ‬لمصالحه؛‭ ‬لأنه‭ ‬يرى‭ ‬أنها‭ ‬مشروعه،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬نفسه‭ ‬فرصة‭ ‬اكتشاف‭ ‬أين‭ ‬يقف‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المشهد؟‭ ‬وأنه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ليس‭ ‬الفاعل‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الموضوعي،‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬مصالح‭ ‬لقوى‭ ‬وجماعات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭.‬
لكن‭ ‬السؤال‭ ‬هل‭ ‬جرى‭ ‬استيعاب‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬بمكوناته‭ ‬وديناميكياته‭ ‬وتعقيداته‭ ‬وربما‭ ‬هشاشه،‭ ‬وشبق‭ ‬وتسرع‭ ‬البعض‭ ‬لاختطاف‭ ‬السلطة؟‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬لا،‭ ‬لأن‭ ‬النتائج‭ ‬كانت‭ ‬طوال‭ ‬الأعوام‭ ‬الماضية‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مخيبة‭ ‬للآمال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية‭ ‬المعنية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬ثوري‭ ‬بالمعني‭ ‬التقدمي‭ ‬الإنساني،‭ ‬الذي‭ ‬يحقق‭ ‬لها‭ ‬حريتها‭ ‬وكرامتها‭ ‬وحقها‭ ‬في‭ ‬المواطنة‭ ‬وفق‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬رسخته‭ ‬قيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭. ‬
كانت‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭ ‬تريد‭ ‬دولة‭ ‬ومؤسسات‭ ‬واحدة‭ ‬موحدة‭ ‬تحفظ‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬وتؤمنها‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المتربصين‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬لذلك‭ ‬شكل‭ ‬غياب‭ ‬الدولة‭ ‬أحد‭ ‬تجليات‭ ‬الواقع‭ ‬المجافي‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬حراك‭ ‬عام‭ ‬2011؛‭ ‬كون‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬أفرزها‭ ‬التغيير‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬المنشودة‭ ‬كسلطة‭ ‬وحيدة‭ ‬جامعة‭.‬
وإنه‭ ‬لمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬والحال‭ ‬هذه؛‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لتراجع‭ ‬حضور‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كمحتكر‭ ‬وحيد‭ ‬للسلطة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حراك‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬أن‭ ‬باتت‭ ‬الدولة‭ ‬إما‭ ‬غائبة‭ ‬كليا‭ ‬أو‭ ‬جزئيا،‭ ‬بفعل‭ ‬التداعيات‭ ‬غير‭ ‬المحسوبة‭ ‬لذلك‭ ‬الحراك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الأمل‭ ‬يراود‭ ‬جميع‭ ‬الشعوب‭ ‬المنتفضة،‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬لها‭ ‬انتقالا‭ ‬آمنا‭ ‬ومضمونا‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل،‭ ‬بأن‭ ‬يشكل‭ ‬لها‭ ‬قطعا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ظالم‭ ‬وغير‭ ‬ديمقراطي‭ ‬وإنساني؛‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تجرعته‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭.‬
وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭ ‬بالمستقبل‭ ‬وهو‭ ‬حق‭ ‬طبيعي‭ ‬مشروع‭ ‬لها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬حرمت‭ ‬منه؛‭ ‬بفعل‭ ‬كوابح‭ ‬نظم‭ ‬الاستبداد‭ ‬والاستغلال‭ ‬وغياب‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬بوصلة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬مع‭ ‬توفر‭ ‬حسن‭ ‬النوايا،‭ ‬حادت‭ ‬عن‭ ‬اتجاهها،‭ ‬وبدا‭ ‬لأغلبية‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب؛‭ ‬وكأن‭ ‬حلم‭ ‬المستقبل‭ ‬يبتعد‭ ‬تدريجيا‭ ‬كلما‭ ‬تفاقمت‭ ‬الفوضى‭ ‬والعناد‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يتكئ‭ ‬على‭ ‬وهم‭ ‬امتلاك‭ ‬الحق‭ ‬والصواب‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الخطأ‭ ‬المطلق،‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬وتدير‭ ‬المشهد‭ ‬الراهن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭.‬
وهي‭ ‬للأسف‭ ‬مقاربة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تصورها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬مفردات‭ ‬قوى‭ ‬الشعب‭ ‬الواحد،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواقع؛‭ ‬كان‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬كون‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭ ‬هذه؛‭ ‬وبكل‭ ‬تجلياتها‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬المجتمعية‭ ‬وحتى‭ ‬الجغرافية،‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬تضرر‭ ‬هذا‭  ‬النسيج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التطاحن؛‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نلمسه‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬الحاد‭ ‬والعنيف‭.‬
والخشية‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬واقعا‭ ‬مستمرا‭ ‬حتى‭ ‬إشعاراً‭ ‬آخر،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سايكس‭ ‬ـ‭ ‬بيكو‭ ‬جديد‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بأيديها‭ ‬أبنائها،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬القوى‭ ‬المعنية‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ومخاطره‭ ‬المدمرة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬وتجاوز‭ ‬حالة‭ ‬العناد‭  ‬السياسي‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأطراف‭ ‬الفاعلة‭ ‬والتقاط‭ ‬اللحظة‭ ‬السياسية،‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬بجهد‭ ‬الجميع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفلت‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عرفنا‭ ‬أن‭ ‬العناد‭ ‬السياسي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يورث‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تحمد‭ ‬عقباه‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬تجربة‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭.‬
وأستطيع‭ ‬التقدير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العناد‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاجبا‭ ‬لصفاء‭ ‬العقل‭ ‬والتفكير،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭  ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الواقع‭ ‬المعاش‭ ‬بهذه‭ ‬الكيفية‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ (‬الفنتازيا‭) ‬بالنسبة‭ ‬للبعض؛‭ ‬ومن‭ ‬لّم‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نبرئه‭ ‬ـــــ‭ ‬أي‭ ‬العناد‭ ‬ــــــ‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أوصل‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬الآن،‭ ‬من‭  ‬انفجار‭ ‬للصراع‭ ‬الداخلي،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إنه‭ ‬لمن‭ ‬السذاجة‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬إغفال‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬كامنة‭ ‬محرضة‭ ‬سياسية‭ ‬وفكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬داخلية‭ ‬كانت‭ ‬الحاضنة‭ ‬لهذه‭ ‬الفوضى،‭ ‬وكانت‭ ‬وراء‭ ‬إنتاج‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬وإنما‭ ‬له‭ ‬أسبابه‭ ‬الذاتية‭ ‬والموضوعية‭ ‬التي‭ ‬حددت‭ ‬سيرورته‭ ‬تلك‭ ‬القراءات‭ ‬المتباينة‭ ‬للواقع‭ ‬ولجملة‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬وكيفية‭ ‬حلها؛‭ ‬بسبب‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬احتجاز‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭.‬
‭ ‬ونعتقد‭ ‬أنه‭ ‬بسبب‭ ‬الحماس‭ ‬غير‭ ‬المحسوب‭ ‬بدقة،‭ ‬لم‭ ‬يجرِ‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬الانتقال‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭ ‬بنزاهة‭ ‬وشفافية،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬حضرت‭ ‬الحسابات‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬عوامل‭ ‬الفرقة‭ ‬على‭ ‬الوحدة،‭ ‬لذلك‭ ‬بدا‭ ‬المشهد‭ ‬بالغ‭ ‬القتامة‭ ‬والحلكة،‭ ‬وزاد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الشك‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬بشرائحها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خطأ‭ ‬ما‭ ‬ارتكب،‭ ‬فيما‭ ‬السؤال‭ ‬الحارق‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجري؛‭ ‬يكاد‭ ‬يصم‭ ‬الآذان؟‭!! ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يستمر‭ ‬جميع‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬الاتهامات‭ ‬حول‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى،‭ ‬وكأن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬نبت‭ ‬شيطاني،‭ ‬هكذا‭ ‬اقتحم‭ ‬حياة‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭ ‬دون‭ ‬فاعل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬نخبها‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬للمخاطر‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬أمنها،‭ ‬كون‭ ‬قراءتها‭ ‬للوقائع‭ ‬كانت‭ ‬أحادية‭ ‬وقاصرة،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬نتيجتها‭ ‬أنها‭ ‬تعيش‭ ‬الآن‭ ‬وقائع‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬الجهنمية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والشك‭ ‬المتبادل،‭ ‬وهي‭ ‬ثنائية‭ ‬مفادها‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬ازدادت‭ ‬السدود‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬وبرزت‭ ‬الشكوك‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة،‭ ‬ابتعدوا‭ ‬عن‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المحتم‭ ‬أن‭ ‬يحتوي‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المواطنة‭.‬
والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬فئة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التشاؤم‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬النفسي‭ ‬والسياسي،‭ ‬وازدادت‭ ‬خشيتها‭ ‬من‭ ‬تبدد‭ ‬حلم‭ ‬المستقبل،‭ ‬وعوضا‭ ‬عن‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المستقبل،‭ ‬تنفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬أشكاله‭ ‬العنفية‭ ‬المختلفة،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬للأسف‭ ‬واقعا‭ ‬معاشا‭ ‬للأسف‭. ‬
وأجرؤ‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانبه‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬العناد‭ ‬السلبي‭ ‬الضار،‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬كي‭ ‬يحل‭ ‬التباغض‭ ‬ُمحل‭ ‬التسامح‭ ‬وتقبُّل‭ ‬الآخر‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬باستثناء‭ ‬مظلة‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬غيبة‭ ‬الحكمة‭ ‬تحضر‭ ‬الاتهامات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬والحوار،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬أن‭ ‬الكل‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬الأفكار‭ ‬وزوايا‭ ‬الرؤية،‭ ‬طالما‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يقر‭ ‬بها‭ ‬الجميع‭ ‬كإطار‭ ‬ناظم‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭.‬
والخشية‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬بعضها‭ ‬تناحريا‭ ‬متفجرا،‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬جرعة‭ ‬العناد،‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬ارتباطا‭ ‬المتبادل‭ ‬بمعناه‭ ‬السلبي‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬المتنازعة‭ ‬أو‭ ‬المتحاربة،‭ ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬العناد‭ ‬هو‭ ‬عامل‭ ‬مدمر‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التفكير‭ ‬كونه‭ ‬يتكئ‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬جوانبه‭ ‬على‭ ‬ثنائية‭ ‬النفي‭ (‬المتبادل‭) ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ووهم‭ ‬امتلاك‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬لليقين‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الجوهر،‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬عدم‭ ‬تجاهل‭  ‬شرط‭ ‬الحقوق‭ ‬المتساوية‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الاختلاف‭ ‬بينهم،‭ ‬وأنهم‭ ‬موضوعيا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للرغبات‭ ‬الذاتية‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أن‭ ‬تنفيه،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تفاقم‭ ‬أن‭ ‬يمثل‭ ‬وصفة‭ ‬لنسف‭ ‬مبدأ‭ ‬التعايش‭ ‬المتساوي‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬أيديولوجياتهم‭ ‬وإثنياتهم‭ ‬ومذاهبهم‭ ‬ومناطقهم،‭ ‬والمعني‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬المواطنة‭ ‬كواقع‭ ‬ومفهوم؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬الكل‭ ‬الحق‭ ‬المتساوي‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬والدستور‭ ‬والشرائع‭ ‬والأعراف‭ ‬المستقرة،‭ ‬والحقوق‭ ‬والمتساوية‭ ‬وكذلك‭ ‬الواجبات‭ ‬المتساوية‭.‬
وأخيرا‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى؛‭ ‬يبدو‭ ‬قاتما‭ ‬وشديد‭ ‬الحلكة‭ ‬طالما‭ ‬استمرت‭ ‬حالة‭ ‬العناد‭ ‬السياسي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نقطة‭ ‬التوازن‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬مصالح‭ ‬الجميع‭. ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬للشعوب‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬أهدافها‭ ‬رغم‭ ‬تجاربها‭ ‬المريرة،‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬سيدرك‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التدمير‭ ‬الذاتي‭ ‬والاحتراب‭ ‬وسياسة‭ ‬الغلبة،‭ ‬ستتراجع‭ ‬لصالح‭ ‬قوة‭ ‬العقل‭ ‬العاقل‭ ‬والتسامح‭ ‬بحيث‭ ‬يصل‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقية‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬مواطنون‭ ‬لا‭ ‬رعايا،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬أمامهم‭ ‬إلا‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬حالة‭ ‬العناد‭ ‬المتبادل،‭ ‬لأن‭ ‬البديل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬التشظي‭ ‬والضعف‭ ‬للكل‭. ‬لكن‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬وفي‭ ‬النفوس‭ ‬ابتداء،‭ ‬لأن‭ ‬ثمن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬العناد‭ ‬سيكون‭ ‬باهظا‭ ‬جدا‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬
‭ ‬والخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬الذات‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬لصالح‭ ‬الكل،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أعتقد‭ ‬تكون‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الألف‭ ‬ميل‭.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق