باختصار
في مساء ليبي بارد، لم تكن المقاطع المتداولة عن إحدى المصحات مجرد لقطات عابرة، بل كانت صفعة موجعة للضمير، وجرحاً مفتوحا في قلب كل من يؤمن بحرمة الإنسان وقدسية الحياة واحترام الموت…. ما ظهر في التسريبات المنسوبة لجهات التفتيش الرسمية لم يكن حادثة عادية، بل مشهداً صادماً كشف خللاً أخلاقياً ومهنياً عميقاً في احدى المصحات الخاصة المتناثرة في طرابلس.
نحن لا نتحدث عن خطأ إداري أو تقصير عابر أو خطأ طبي، بل عن انتهاك صريح لكرامة الإنسان، وعن تحول أماكن يفترض أن تكون ملاذاً للشفاء إلى مساحات للخذلان والاستهانة بالحياة…. فالكل يعرف أن المواطن الليبي لا يلجأ إلى المصحات الخاصة ترفاً، بل بدافع الضرورة، بعد أن يرهقه ضعف القطاع العام، فيدفع من قوته وأمله بحثاً عن الأمان، ليجد أحياناً القلق والخوف بدل الطمأنينة.
ما ظهر في تلك المقاطع، مع ترك الفصل فيه للجهات الضبطية وللقضاء، يعكس غياباً مؤلماً لمفهوم المسؤولية المهنية، حين ينسى أن أمام العاملين بشراً لا ملفات، وأرواحًا لا أرقاماً، وكرامة لا يجوز المساس بها… فالمريض ليس مشروع ربح، وجسد الإنسان ليس مادة مهملة، وحتى الراحلين لهم حق الاحترام.
حين يغيب الضمير عن مهنة الضمير، ويتحول الطب من رسالة إلى تجارة، يصبح الإهمال واللامبالاة أمراً عادياً، وتتحول المصحات إلى مؤسسات يتم إدارتها بمنطق الربح لا الواجب…. وهنا يبرز السؤال الموجع: هل ما حدث حالة استثنائية، أم نموذجاً لما يحدث في الخفاء؟
والمفارقة الساخرة، أن الليبيين منذ سنوات طويلة يضطرون للسفر إلى تونس طلباً للعلاج، هرباً من الإهمال وسوء الخدمات، ثم يلامون على هذا الاختيار، وكأنهم يسافرون للسياحة لا للعلاج…. يُسألون باستغراب: لماذا لا تثقون في مستشفياتكم؟ وكأن الثقة تفرض بقرارات، أو تُمنح بخطابات، لا تُبنى بخدمة محترمة وأخلاق مهنية.
تريدون إقناع الليبي بعدم الذهاب إلى تونس؟ الأمر بسيط جداً: وفروا له مستشفى نظيفاً، طبيباً ماهراً، إدارة تحترم الإنسان، رقابة حقيقية، ومحاسبة لا تعرف المجاملة…. عندها فقط، سيبقى في بلده طوعاً لا قسراً، وسيعالج هنا بثقة لا بخوف.
أما الاكتفاء بلوم المواطن واتهامه بعدم الوطنية لأنه يبحث عن الأمان الصحي، فهو هروب من المسؤولية، ومحاولة لتغطية الفشل بالشعارات…. فالوطنية لا تعني أن تخاطر بصحتك، ولا أن تراهن بحياتك، بل أن تجد في وطنك ما يغنيك عن الغربة، لا ما يدفعك إليها.
المواطن لا يملك سوى ثقته، وهذه الثقة حين يتم كسرها يصعب جبرها…. وما جرى كفيل بزرع الشك في نفوس آلاف العائلات حول أمان من يسلمونهم أرواحهم.
فأين الرقابة؟ أين التفتيش والمحاسبة؟ أين دور وزارة الصحة ونقابة الأطباء والجهات القضائية؟ المشكلة ليست في القوانين، بل في ضعف تطبيقها وغياب الإرادة.
نحن لا نطالب بالتشهير ولا بمحاكمات شعبية، ولا نتهم أحداً بذاته، بل بتحقيق شفاف، ومحاسبة عادلة، وإصلاح حقيقي لمنظومة المصحات الخاصة. نطالب بإعادة الاعتبار لمهنة الطب كرسالة إنسانية، لا مجرد مصدر دخل.
ما شاهدناه ليس فيديوهات صادمة فقط، بل مرآة موجعة لواقع يحتاج وقفة شجاعة. فالطب بلا ضمير جريمة صامتة، والمجتمع الذي يقبل بها شريك فيها.
د. علي عاشور
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية