ألرئيسيةرأيمحمد الهادي الجزيري

الصبر مفتاح الجنون

 

بقلم /محمد الهادي الجزيري

 

يطيب لي أن أضحك من نفسي مرارا ..لأسباب عديدة ومن ضمنها ما أعرفه تماما …،
ومن ضمنها أنّي.. وطبعا استبشرت بانتفاضة أهلي وجيراني وشعبي وأمّتي على ما كان..، ككلّ معارفي وأقاربي وشاركت فيها بما استطعت، وقد قدّمت ..كمبادرة منّي ..دجاجة مكتنزة قربانا لها ووليمة لأهل بيتي ومن جاورهم ، وذاك أقصى ما يمكن أن أقدّمه من تضحيات جسيمة على حساب راتبي الشهريّ البائس، ومنذ تلك الحفلة الباذخة، وأنا أتابع نشرات الأخبار لعلّ أحدا ما يعلن عن الزيادة في الأجور أو كبح جموح أسعار الحياة ومشتقاتها، لكنّ مذيعي الأخبار والمذيعات كذلك لم يكفّوا يوما واحدا عن السباحة في مجاري الدم والهمّ، كما أنّ العملة الجديدة المتداولة منذ قيام الثورة لم يقبلها منّي غريب ولا حتّى قريب، ولا أستثني بائع الخضر جليسي الدائم في مقهى الحيّ، فقد رمقني بنظرة رهيبة وكاد أن يرجمني بحزمة البصل التي كانت في متناول يده، لولا غلاؤها وندرتها في هذه الأيام الحرجة، لست أدري ما دهاه ليتسلّق قمّة الغضب بتلك الطريقة المباغتة، وكلّ ما في الأمر أنّني، بعد اقتنائي من دكانه لبعض حاجيات الأسرة، دفعت له ثمن ما اشتريته وطلبت الباقي،.. يا إلهي سلّمته ورقة نقديّة من فئة ” ثورة ـ حريّة ـ كرامة وطنيّة ” ، ولم يرجع لي بقيّة الصرف، ألا تكفي تلك الورقة النقديّة الجديدة ذات القيمة العالية لملئ قفة العيال ببعض الخضر؟، ولم لا إضافة بعض الغلال لإعادة العلاقة الطبيعة بينها وبين الأطفال؟، صراحة إذا كانت هذه الورقة المذكورة تثير سخط أعزّ أصحابي ، بائع الخضر النذل، فلا خير فيها ولا في من روّجها في أحيائنا الشعبية الفقيرة مذ كان الفقر….
كثيرة هي الأوراق الجديدة التي تمّ الاتفاق على صلوحيتها مؤخّرا، منها مثلا: ” بالروح بالدم نفديك يا وطن” أو ” لا شرقية لا غربيّة .. ثورة ثورة وطنيّة ” أو ” خبز وماء والطغيان لا ” ، مع العلم أنّ الورقة الأخيرة سبق لي أن قدّمتها إلى جاري الطيّب صاحب مخبزة الحومة، فكاد يلقي بي في الفرن، وأنا لم أفهم إلى حدّ الساعة سبب انقلابه المفاجئ عليّ، وتطاير الشرر العجيب من فمه المفتوح مثل باب من أبواب جهنّم .. والعياذ بالله…
ثمّة ورقة أخرى كم سعدت بها وظننت أنّها ستحلّ جميع مشاكلي وتطرد الخصاصة من بيتي الذي يصرّ البعض على تشبيهه بالكوخ الحقير، هذه الورقة هي طبعا ” نموت نموت ويحيا الوطن ” ، والغريب أنّنا متنا أو نكاد ولم يقبل منّا أحد هذه الورقة السحرية ، ثمّ لسائل أن يسأل : ” هل في استطاعة الوطن أن يحيا إذا مات المواطن مختنقا تحت ضغط الحاجة ومتطلّبات الحياة اللئيمة ….. صراحة إنّ هذه الأوراق الجديدة جميلة ومثيرة لشهيّة العيش، لكنّها للأسف الشديد لا تغني من جوع، علما أنّ السادة باعة الشعارات الجاثمين في اليمين واليسار، الذين اتّفقوا على ترويجها، لم يقبلوها منّي (أنا أبو العيال) ، وأجزم أنّ دكاكينهم الحزبيّة المتراصة، لم تلق في القفّة لقمة واحدة، ولا أخفي عن أحد منهم أنّ بوادر ثورة عظيمة ، بدأت تتشكّل في عشّي الآمن، تقودها زوجتي الناجية من الايدولوجيا، ويشارك فيها بحماس منقطع النظير أبنائي المنقسمون إلى يمينيين ويساريين ، لكنّهم متّحدون ضدّي أنا المواطن البسيط الحزين الموشك على الانضمام إلى ثوّار بيتي، لولا تمسّكي جيّدا بورقة أخيرة:”الصبر مفتاح الجنون” .. أجرني يا جنون….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى