منصة الصباح
الشراء الاندفاعي في رمضان.. بين روحانية الشهر وضغط الاستهلاك

الشراء الاندفاعي في رمضان.. بين روحانية الشهر وضغط الاستهلاك

تقرير: طارق بريدعة

مع حلول شهر رمضان، تتغير تفاصيل الحياة اليومية، وتُعاد صياغة العادات، وتتبدل الأولويات. غير أن التحول الأكثر وضوحا يظهر في سلوك الاستهلاك..

فالمفارقة اللافتة أن شهر الصيام، الذي يفترض أن تقل فيه الوجبات، يتحول إلى موسم لارتفاع الإنفاق الغذائي بشكل ملحوظ
داخل المتاجر، وقبل ساعات من أذان المغرب، يتحرك المتسوقون بعربات ممتلئة. عروض ترويجية لافتة، ورفوف مزدحمة بالأصناف، وقرارات شراء تتخذ بسرعة..

هنا تبرز ظاهرة يمكن وصفها بـ”الشراء الاندفاعي الرمضاني”، حيث تتحول خطط الشراء إلى استجابة عاطفية لحظية، تقودها الرغبة أكثر مما يقودها التخطيط..

ما هو الشراء الاندفاعي؟

يعرف الشراء الاندفاعي بأنه اتخاذ قرار الشراء دون تخطيط مسبق، استجابةً لمؤثرات لحظية مثل الجوع أو العروض التسويقية أو الشعور بالحاجة المفاجئة..
وفي رمضان، تتضاعف احتمالات هذا السلوك بسبب تأثير الصيام على الحالة النفسية والتركيز، خاصة عند التسوق قبل الإفطار..

لماذا يتصاعد في رمضان؟

تتداخل عدة عوامل في تعزيز هذا السلوك، من أبرزها:
التسوق في حالة جوع قبل الإفطار والعروض الترويجية المكثفة وشعارات “لا تفوت الفرصة والرغبة في تنويع المائدة الرمضانية وضغط العادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة والخوف من نفاد بعض السلع..

هذه العوامل مجتمعة تجعل القرار الشرائي أقل عقلانية وأكثر ارتباطا بالحالة المزاجية..

صوت الشارع… من قلب السوق

في جولة ميدانية داخل عدد من المتاجر في طرابلس خلال الأسبوع الأول من رمضان، عبّر مواطنون عن تجاربهم مع هذا السلوك..
– يوسف درويش، رب أسرة، يقول:
«في رمضان دائمًا أجد نفسي أشتري كميات كبيرة من الطعام قبل الإفطار مباشرة. أحيانا أشتري أشياء لا نستهلكها في نهاية الشهر، ثم أشعر بالندم عندما أجد بعض الأطعمة زائدة في الثلاجة.»..

أما منى، موظفة في أحد المصارف، فتشير إلى تأثير العروض التسويقية..
«عبارات مثل “لا تفوت العرض” تجعلني أشعر أنني سأفقد فرصة مهمة إذا لم أشتري فورا، حتى لو لم أكن بحاجة حقيقية للمنتج.»..

وفي محل لبيع المعجنات، تقول فاطمة، ربة منزل أحيانا نشتري حلويات ومواد غذائية كثيرة بسبب العادات الاجتماعية، لكن في كثير من الأيام ينتهي بنا الأمر إلى التخلص من جزء كبير منها بعد انتهاء الشهر..
شهادات تعكس سلوكا متكررا لدى عدد من الأسر، حيث يتحول التسوق إلى استجابة عاطفية أكثر منه قرارا مدروسا..

البعد النفسي.. عندما تقودنا المشاعر

يرى مختصون في علم النفس أن الصيام يزيد من حساسية الفرد للمحفزات الغذائية، ما يجعله أكثر عرضة لاتخاذ قرارات غير عقلانية أثناء التسوق، خصوصا قبل الإفطار. كما أن الرغبة في “تعويض” ساعات الصيام قد تعزز الميل إلى الشراء الزائد، في محاولة لا واعية لإشباع الحرمان المؤقت..

ويؤكد الدكتور “محمود فوزي”، أن الشراء الاندفاعي ظاهرة نفسية واجتماعية، وليست اقتصادية فقط، موضحا أن الإعلانات وتأثير المقارنات الاجتماعية يلعبان دورًا كبيرا في تضخيم حجم المشتريات..

الأثر الاقتصادي.. فاتورة تتضخم وهدر يتزايد

اقتصاديون يشيرون إلى أن رمضان يشهد سنويا ارتفاعا ملحوظا في الإنفاق الغذائي مقارنة ببقية أشهر السنة، رغم تراجع عدد الوجبات اليومية..

هذا الارتفاع يشكل عبئا إضافيا على ميزانيات الأسر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع أسعار بعض السلع..

ولا يتوقف الأثر عند حدود الإنفاق، بل يمتد إلى الهدر الغذائي، حيث يتحول جزء من المشتريات إلى فاقد يُرمى بعد أيام، ما يعني خسارة مالية مباشرة كان يمكن تجنبها بالتخطيط المسبق..

بين الكرم والإسراف.. أين يكمن التوازن؟

رمضان شهر العطاء والتكافل، لكنه لا يدعو إلى الإفراط. الكرم قيمة اجتماعية راسخة، غير أن تحويل المائدة إلى استعراض يومي قد يرهق الأسرة ماديا دون داعٍ..

التوازن يبدأ بخطوات بسيطة

التسوق بعد الإفطار لا قبله وإعداد قائمة واضحة والالتزام بها وتحديد ميزانية مسبقةومراجعة المخزون المنزلي قبل الشراء..

ختامًا

بين ضغط العروض، وتأثير الجوع، والعادات الاجتماعية المرتبطة بالمائدة الرمضانية، يبقى الشراء الاندفاعي سلوكا قابلًا للتغيير متى ما توفر الوعي..

فالحفاظ على روحانية الشهر لا يتحقق بكثرة الأطباق، بل بحسن التدبير والاعتدال، حيث يكون الامتلاء في المعنى، لا في عربات التسوق..

شاهد أيضاً

شكشك يناقش أداء وزارة الخارجية وملف الأصول الليبية

شكشك يناقش أداء وزارة الخارجية وملف الأصول الليبية

ناقش رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك مع مسؤولي وزارة الخارجية والتعاون الدولي خلال اجتماع عُقد …