منصة الصباح
د. محمد أحمد الشحاتي

بين السيادة والفساد: ماذا يمكن أن تتعلم ليبيا من مشروع مارشال؟

يُطرح النقاش حول الفساد وإدارة الثروة النفطية في ليبيا عادةً ضمن معادلة تبدو وكأنها لا تقبل حلاً وسطاً. فمن جهة، هناك من يتمسك بمبدأ السيادة الوطنية باعتباره خطاً أحمر يمنع أي دور خارجي في إدارة الموارد العامة. ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن حجم الفساد والانقسام المؤسسي بلغ مستوى يجعل أي حديث عن إصلاح داخلي مجرد أمنية يصعب تحقيقها في المدى المنظور. وبين هذين الموقفين تضيع مساحة واسعة من الحلول الممكنة.

والوضع الليبي اليوم يحمل قدراً كبيراً من الاستثنائية. فاستمرار الأوضاع الحالية بالوتيرة نفسها يكشف البلاد لمخاطر اقتصادية متزايدة على المدى الطويل. فقد أثبتت السنوات الماضية أن تدفق الإيرادات النفطية إلى مؤسسات منقسمة وضعيفة الحوكمة لم يؤد إلى بناء دولة أكثر كفاءة، ولا إلى تحسين ملموس في الخدمات العامة أو تعزيز التنمية المستدامة، بل ساهم في كثير من الأحيان في توسيع شبكات المحسوبية والفساد والصراع على الريع. وفي المقابل، فإن أي دعوة إلى إدارة دولية مباشرة للموارد الليبية تصطدم بحقوق السيادة الوطنية وترفضها غالبية الليبيين.

لكن التاريخ يقدم نموذجاً مختلفاً يستحق التأمل، يقوم على الجمع بين السيادة الوطنية ووضع ضوابط ومعايير مؤسسية دولية تحد من فرص الفساد وتحمي الموارد العامة في الدول المعرضة للمخاطر الجيوسياسية. فعندما أطلقت الولايات المتحدة مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن التحدي مقتصراً على توفير الأموال أو معالجة الدمار المادي، بل شمل أيضاً كيفية ضمان استخدام الموارد بصورة فعالة وتحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية المرجوة منها.

ولم يكن الحل في مصادرة سيادة الدول الأوروبية أو إدارة اقتصاداتها مباشرة من واشنطن، وإنما في إنشاء منظومة من القواعد والإجراءات والرقابة المشتركة ربطت الاستفادة من الموارد بالتخطيط والشفافية والإفصاح والمراجعة والتعاون المؤسسي. وقد بقيت الحكومات الأوروبية صاحبة القرار والسيادة، لكنها عملت ضمن إطار مؤسسي فرض درجات مرتفعة من المتابعة والتدقيق والمساءلة. وكان نجاح التجربة مرتبطاً بوجود قواعد موحدة تنطبق على جميع الأطراف المشاركة، لا على الدول المستفيدة وحدها.

ورغم أن مشروع مارشال لم يُصمم أساساً بوصفه مشروعاً لمكافحة الفساد، فإن البنية المؤسسية التي رافقته ساهمت في الحد من الهدر وسوء استخدام الموارد، ووفرت بيئة أكثر انضباطاً لإدارة عملية إعادة الإعمار. وربما يفسر ذلك جانباً من النجاح الاقتصادي الذي حققته أوروبا الغربية خلال العقود اللاحقة.

غير أن ليبيا تختلف عن أوروبا ما بعد الحرب في نقطة جوهرية؛ فهي ليست دولة تبحث عن التمويل الخارجي لإعادة البناء، بل دولة تمتلك موارد مالية كافية وتولد إيراداتها بنفسها من خلال صادرات النفط والغاز. ومع ذلك فإن هذا الاختلاف لا يمنع الاستفادة من الدرس الأهم في تجربة مارشال: وهو أن حماية الموارد لا تتطلب بالضرورة التخلي عن السيادة، بل قد تتطلب بناء إطار مؤسسي يجعل ممارسة السيادة أكثر انضباطاً وشفافية.

فالمشكلة الليبية لا تتمثل فقط في فساد بعض المسؤولين المحليين، كما أنها لا تتمثل فقط في التدخلات الخارجية المتنافسة، بل في التفاعل بين الطرفين. فالفساد الكبير في الدول الريعية لا ينشأ عادة من الداخل وحده، وإنما من شبكة معقدة من العلاقات التي تجمع مسؤولين محليين وشركات أجنبية ووسطاء ماليين ومكاتب قانونية ومصالح سياسية وتجارية خارجية. ولذلك فإن أي حل جاد يجب أن يخضع له الطرفان معاً: الليبي والدولي.

ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد الانتقال من فكرة الإدارة الدولية للثروة الليبية إلى فكرة إنشاء إطار أخلاقي ومؤسسي دولي لتنظيم التعامل معها. يقوم هذا الإطار على مبدأ بسيط: تبقى السيادة والملكية والقرار النهائي ليبية بالكامل، لكن الوصول إلى النظام المالي العالمي، وإلى العقود الدولية الكبرى، وإلى الخدمات المصرفية والاستثمارية العابرة للحدود، يصبح مشروطاً بالامتثال لمعايير محددة للشفافية والحوكمة.

ويمكن أن يبدأ ذلك بإنشاء سجل دولي للعقود السيادية الكبرى، بحيث لا تكتسب العقود النفطية والاستثمارية والتمويلية الرئيسية حماية قانونية أو مالية دولية ما لم تُسجل فيه وتُفصح عن أطرافها وشروطها الأساسية. وفي المقابل تلتزم الدول والمؤسسات المالية الكبرى بعدم تمويل أو حماية العقود غير المسجلة أو غير المستوفية لمتطلبات الإفصاح.

كما يمكن إلزام الشركات الأجنبية الراغبة في العمل في ليبيا بالإفصاح الكامل عن الملاك المستفيدين الحقيقيين والوسطاء والوكلاء المرتبطين بها، مع حرمان الشركات المخالفة من الوصول إلى التمويل والتأمين والتحكيم الدولي. وفي الوقت نفسه تلتزم المصارف الدولية بعدم تنفيذ التحويلات المرتبطة بعقود أو ترتيبات لا تستوفي معايير الشفافية المعتمدة.

أما الاحتياطيات والأصول السيادية الليبية، فيمكن أن تبقى مملوكة ومدارة بالكامل من قبل المؤسسات الليبية، لكن مع إخضاعها لتدقيق دوري مستقل ونشر قوائم مالية سنوية مفصلة وفق معايير محاسبية دولية معترف بها، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الإعلامية أو الإفصاحات الجزئية. فالمقصود هنا ليس نقل الإدارة إلى الخارج، بل رفع مستوى الثقة والمساءلة حول كيفية إدارة هذه الأصول.

غير أن العنصر الأكثر أهمية يتمثل في منع المنافسة الدولية على الفساد. فالكثير من المبادرات الإصلاحية تفشل لأن بعض الأطراف الخارجية تلتزم بالقواعد، بينما تستفيد أطراف أخرى من غيابها للحصول على مزايا سياسية أو تجارية. ولذلك فإن نجاح أي إطار جديد يتطلب التزاماً متبادلاً من الدول والمؤسسات المالية الكبرى بعدم الاعتراف أو تمويل أو حماية الصفقات التي لا تستوفي معايير الحوكمة المعتمدة.

إن الفكرة الجوهرية هنا ليست نقل السيادة من ليبيا إلى الخارج، وإنما نقل تكلفة الفساد من المجتمع الليبي إلى الأطراف التي تمارسه أو تستفيد منه. فعندما يصبح الفساد غير قابل للمرور عبر النظام المالي العالمي، وغير قابل للتمويل من المصارف الدولية، وغير قابل للحماية أمام المحاكم وهيئات التحكيم، فإن جاذبيته الاقتصادية تتراجع بصورة كبيرة.

لقد نجحت أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية لأنها تمكنت من الجمع بين السيادة الوطنية والانضباط المؤسسي. وربما تكمن المعضلة الليبية اليوم في الاعتقاد الخاطئ بأن الخيار الوحيد هو المفاضلة بين السيادة والحوكمة، أو بين الاستقلال الوطني والرقابة المؤسسية. بينما تشير التجارب التاريخية إلى أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تُستخدم الحوكمة لحماية السيادة وتعزيزها، لا لإلغائها أو الانتقاص منها.
وقد يذهب البعض إلى افتراض أن الأمم المتحدة يمكن أن تكون الإطار الطبيعي لمثل هذه الترتيبات، إلا أن التجارب السابقة لا تقدم ما يكفي من الأدلة على قدرتها على أداء هذا الدور بكفاءة. فالأمم المتحدة مؤسسة سياسية بالدرجة الأولى، صُممت لإدارة العلاقات بين الدول وحفظ السلم والأمن الدوليين، وليست مؤسسة متخصصة في إدارة الثروات السيادية أو مراقبة الأنظمة المالية المعقدة. كما أن بنيتها الإدارية وآليات اتخاذ القرار فيها تخضع لتوازنات سياسية بين الدول الأعضاء أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة الاقتصادية والمالية.

ويكفي التذكير بتجربة برنامج “النفط مقابل الغذاء” في العراق، الذي أُنشئ بهدف ضمان توجيه عائدات النفط العراقي إلى الاحتياجات الإنسانية تحت إشراف دولي. ورغم النوايا المعلنة للبرنامج، فقد كشفت التحقيقات اللاحقة عن تجاوزات وعمولات غير مشروعة ومواطن ضعف رقابية واسعة، الأمر الذي جعل التجربة مثالاً على الصعوبات التي تواجه المنظمات السياسية الدولية عندما توكل إليها مهام تتعلق بإدارة الموارد الاقتصادية والمالية.

ولذلك فإن أي إطار مستقبلي لحوكمة التعامل مع الثروة الليبية ينبغي ألا يقوم على نموذج الوصاية الأممية أو الإدارة الدولية المباشرة، بل على شبكة من المعايير المهنية والمؤسسات المتخصصة في المحاسبة والتدقيق والإفصاح والرقابة المالية، بحيث تكون المرجعية الأساسية هي الكفاءة والشفافية وقابلية التحقق، لا التوازنات السياسية الدولية.

وقد يكون الوقت قد حان للانتقال من النقاش التقليدي حول من يملك الثروة الليبية ــ وهي مسألة حُسمت قانونياً وسياسياً منذ عقود ــ إلى نقاش أكثر أهمية: ما هي القواعد التي تضمن أن تُدار هذه الثروة لصالح الليبيين، وأن يخضع لها كل من يتعامل معها في الداخل والخارج على حد سواء؟

شاهد أيضاً

د. مجدي الشارف الشبعاني

من يملك حق إنتاج الشرعية السياسية في ليبيا؟…قراءة في القيمة السياسية لمخرجات الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية

د. مجدي الشبعاني خلال الفترة الماضية تلقيت من عدد من الزملاء والمهتمين بالشأن العام، بل …