أبو القاسم صميدةألرئيسيةرأي

الزمن المتوحش.

د ابوالقاسم عمر صميدة

هناك اشخاص يقهرهم الزمن ، وهناك اشخاص يقهرون الزمن ، والرئيس الراحل احمد بن بلة بطل استقلال الجزائر يقول ؛ الزمن اكبر عدو للانسان اذا لم ننتبه له ، لكن المشكلة هى فى إعادة إنتاج الزمن بعد ان يفلت ، فبعض الناس لا يُشكل الوقت لها قيمة او معنى ، فلا فرق لديهم بين الامس والغد ، انهم بلا زمن او ذاكرة مع انه حقيقى ويمر ويمضي ويترك أثراً ، ولكن من منحهم الله العقل والحكمة من الناس يمسكون الزمن ويعقدون معه اتفاق تعايش بلا عداوه ، يعترفون بمروره وسطوته ووجوده ، لكنهم يديرونه ويستفيدون منه ويعيدون إنتاجه ويصنعون منه تاريخهم الخاص وارشيفهم وذاكرتهم ، وحين يستدعونه حكاية او قصة او حديث للعبرة فإنهم يستخدمون الزمن بطريقتهم الخاصة ، فيرسمونه مجدداً كلمات منمقة وقصص مترابطة ، ونستمع له ونشاهده كأننا نعيده بتفاصيله ويدخل قلوبنا وعقولنا ، بل أننا نشعر بمعايشة لحظاته ونعيشه مجدداً، وهكذا نصاب بالدهشة للحضور الزمنى ، وكيف يتم اعادة الوقت بتفاصيله وجزئياته بأفراحه واحزانه ومآسيه ، انه اعادة وحضور بإحساس ومشاعر غريبة ، وقد تترتب عن تلك المشاعر تبعات فى الحاضر ، كالحديث عن الثارات والانتقام والاوجاع والمظالم ، وهذا يصنع تعاسة وينتج احقاد بين المستمعين ، وقد يتسبب فى كوارث حين يُعاد انتاج الزمن الماضى بطريقة شيطانية ، حيث يتحول الماضى الى رفقة ابدية ويسيطر على عقولنا وافكارنا ويدفعنا للعيش فى أجوائه وسطوته ، ألم اقل ان الزمن يقهر بعض الناس ويجعلهم تحت إبطه وتحت تأثيرة وكأنه ريح او موج يحرك قطع الاخشاب فوق سطح البحر كيفماء هبت الريح وجاءت الامواج ؟.

ان الانسان لا يمكنه النسيان وتجاهل الزمن الماضى ، ولكنه يستطيع تحويل هذا الزمن الذى هو ذكريات واحاديث وقصص ومغامرات وخزنة معرفية ان يحيله ويعيد انتاجه فى الخير والعبرة والدعوة للعمل الصالح وإنتقاء المُفيد من الكلام ونبذ الفرقة والعداوات ، والحديث عن جماليات التسامح والمغفرة وتبدّل الضروف والمعطيات ، وبذا يُمنح الزمن ميزة الحضور والايجابية ، ويكون تراكم رائع لأعمارنا الفانية ، وشهادة لنا لا علينا يوم تجتمع الخصوم عند الله سبحانه ، فالزمن والماضى سلاح ذو حدين ، إما ان يساعدنا على النهوض او ان يقهرنا ويستخدمنا كعلف لمفرمته المتوحشة ، ولهذا اكتب عنه بحذر ورجاء .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى