منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الرضاعة الطبيعية بين الفطرة والقضية

د.علي المبروك أبوقرين

نحن اليوم في الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، لكن هذا الأسبوع ليس مجرد مناسبة عابرة تُرفع فيها الشعارات فهو مرآة نعيد فيها النظر إلى علاقتنا الأولى بالحياة وإلى تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان رحلته عبر صدر أمه وليس عبر مصانع الحليب.

حين أعود بذاكرتي إلى جيل أمهاتنا لا أجد بروتوكولات مكتوبة ولا إرشادات معلقة على جدران المستشفيات إنما أجد فطرة صافية وخبرة متوارثة وحياة تُدار ببساطة عميقة. كانت الولادات تتم في البيوت، على أيدي قابلات تقليديات لم يدرسن في معاهد، لكنهن حملن معرفة تراكمت عبر الأجيال. لم تكن المدارس متاحة للفتيات كما هي اليوم وكان الزواج مبكرًا والولادات متعددة ومتقاربة، وكانت الأمهات يحملن أعباء الحياة بين رعاية الأسرة والعمل في الزراعة أو شؤون البيت القاسية.

ومع كل ذلك كانت الرضاعة الطبيعية هي القاعدة وليس الاستثناء.

وكانت الأم تُرضع طفلها حتى تمام الفطام دون تردد ودون بدائل ودون شك في قدرتها. كان الحليب ينساب كجزء من دورة الحياة، وكانت صحة الثدي والعناية بالرضيع تُدار بالفطرة أو بما تنقله الجدات من حكمة وتجربة.

كنا نسمع عن إخوة الرضاعة، ليس كحكاية غريبة إنما كواقع اجتماعي يعكس التضامن الإنساني، حين تمرض أم أو تتعذر عليها الرضاعة تتقدم قريبة أو جارة فتُرضع طفلها وكأنه ابنها. كان المجتمع كله نظام دعم.

ولم تكن هناك شركات حليب ولا حملات تسويق، ولا عبوات براقة، ولا بدائل تُغري أو تُقنع. كانت الطبيعة هي المرجع، وكانت الأم هي المصدر، وكان الطفل يحصل على غذائه الكامل والمتوازن والمصمم له وحده في كل مرحلة من مراحل نموه.أما اليوم فقد تغير كل شيء.

ازدادت المعرفة وتوسعت المدارس وتقدمت الخدمات الصحية، لكن من تناقضات الحياة الحديثة أننا كلما تعلمنا أكثر ابتعدنا أحيانًا عن أبسط الحقائق. أصبحت الرضاعة الطبيعية تواجه تحديات لم تكن موجودة من قبل، ثقافة استهلاكية واسعة وضغط العمل وغياب الدعم المؤسسي وضعف التوعية العميقة، وانتشار الحليب الصناعي الذي تحول من بديل اضطراري إلى خيار شائع. غزت شركات ألبان الأطفال الأسواق بمنتجاتها، وأصبحت هذه المنتجات سلعة كغيرها، تخضع لمنطق الصناعة والتسويق، بما يحمله ذلك من احتمالات الغش أو التقليد أو التفاوت في الجودة.

ومع ذلك لا يمكن لأي منتج صناعي مهما تطور أن يُحاكي حليب الأم. إن حليب الأم ليس مجرد غذاء هو منظومة حية متكاملة يحتوي على عناصر غذائية متغيرة حسب حاجة الطفل، وأجسام مضادة تحميه، وهرمونات تُنظم نموه، وعلاقة نفسية وروحية تُؤسس للأمان والانتماء.

هو بداية الصحة وبداية التوازن وبداية الإنسان. إن الرضاعة الطبيعية هي قضية صحة عامة وقضية تنموية وقضية حضارية. وهي استثمار طويل الأمد في صحة الأجيال، وفي تقليل الأمراض وفي دعم المناعة وفي بناء إنسان أكثر توازنًا نفسيًا وجسديًا. إن استعادة مكانة الرضاعة الطبيعية لا يمكن أن تتم بالنصح وحده إنما تحتاج إلى رؤية شاملة تبدأ قبل الحمل مرورًا بفترة الحمل ثم لحظة الولادة وتمتد عبر عامين كاملين من الرعاية والدعم. نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقافة ليس فقط نشر المعلومات، وبحاجة إلى تمكين الأم ولا تحميلها العبء وحدها.

وبحاجة إلى بيئة عمل تراعي الأمومة عبر إجازات رضاعة كافية، وساعات مرنة وأماكن مخصصة نظيفة وآمنة للرضاعة في المؤسسات والأسواق والمطارات. نحن بحاجة إلى نظام صحي يدعم الرضاعة منذ اللحظة الأولى للولادة، ويمنع التسرع في استبدالها دون ضرورة طبية. وإلى إعلام صادق لا يساوي بين الطبيعي والصناعي.

وفي دول مثل ليبيا التي تمتلك من الإمكانات ما يؤهلها لبناء نموذج صحي متكامل، فإن دعم الرضاعة الطبيعية يجب أن يكون جزءًا من رؤية سيادية للصحة وليس مجرد مبادرة موسمية. فالأم والطفل في مرحلة الرضاعة يمثلان أخطر وأهم استثمار في مستقبل الأمة.

لقد كانت الرضاعة يومًا فطرة ثم أصبحت اليوم قضية. وبين الفطرة والقضية تقف مسؤوليتنا في أن نُعيد للرضاعة مكانها الطبيعي كحق، وأن نُعيد للأم دعمها ليس كواجب إنما كأولوية وأن نُعيد للطفل بدايته الصحيحة لأنها البداية التي تُحدد كل ما بعدها.

شاهد أيضاً

صورة بورتريه للكاتب الليبي عبد الحفيظ العابد، ذي الشعر الطويل المتموج،

“جحش عطية” يصلُ بالرواية الليبية إلى القائمة الطويلة

أعلنت جائزة الرواية العربية “الرواية غير المنشورة”، اختيار “33” رواية ضمن القائمة الطويلة لدورتها الحالية، …