استطلاع/ طارق بريدعة
مع بداية كل شهر، يتكرر المشهد ذاته في آلاف البيوت الليبية. رسالة مصرفية من مرتبك لحظي تُعلن إيداع المرتب، تعقبها لحظات ارتياح قصيرة، ثم تبدأ عملية حسابية دقيقة لا تحتمل الخطأ. الإيجار أولًا، ثم قائمة المشتريات الأساسية، فالفواتير المتراكمة، فالدواء، والمواصلات، ومصاريف الأبناء..
قبل أن ينتصف الشهر، يكون الراتب قد استنفد معظمه، أو كله، ليبدأ سباق جديد مع “السلفة والدَّين”
في بلدٍ يعتمد اقتصاده على النفط ويملك موارد كبيرة مقارنة بعدد سكان لا يتجاوز ثمانية ملايين نسمة، تبدو المفارقة قاسية.. لماذا لا يكفي الراتب؟
رحلة الراتب… من يوم الصرف إلى يوم العجز
تبدأ رحلة المرتب فعليا قبل أن يدخل الحساب. فالكثير من الأسر لديها التزامات مؤجلة من الشهر السابق: ديون للبقالة، أقساط، إيجار متأخر أو التزامات عائلية.
ومع يوم الصرف، يُخصص الجزء الأكبر مباشرة لبنود ثابتة لا يمكن تأجيلها.
خلال الأسبوع الأول، تتجه الأسرة إلى شراء المواد الغذائية الأساسية بكميات شهرية. لكن الأسعار لم تعد كما كانت قبل سنوات. ففاتورة الغذاء وحدها باتت تلتهم ما بين 1000 إلى 1400 دينار شهريا لأسرة مكونة من خمسة أفراد، وفق تقديرات تجار ومستهلكين.
في الأسبوع الثاني، تظهر مصروفات غير متوقعة.. زيارة طبيب، علاج طارئ، صيانة سيارة، أو حتى مناسبة اجتماعية. وهنا تبدأ مساحة المناورة في التقلص.
أما الأسبوع الثالث، فكثيرا ما يكون بداية العجز الفعلي، حيث يعتمد بعض الموظفين على الشراء بالدين أو الاقتراض من الأقارب.
دخل ثابت… وأسعار بلا سقف
يتراوح متوسط دخل الموظف في القطاع العام بين 1200 و2200 دينار شهريًا، بينما يحصل كثير من المتقاعدين على ما بين 900 و1200 دينار.
وحتى في حالة وجود دخلين داخل الأسرة، فإن مجموع 2500 إلى 4000 دينار لا يبدو كافيًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالإيجارات في المدن الكبرى تتراوح بين 800 و2000 دينار شهريا، وقد تزيد في بعض المناطق.
أما الوقود والمواصلات فتتطلب ما بين 100 و150 دينار، في حين تتراوح فاتورة الدواء بين 200 و350 دينارا، خاصة لدى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وتضاف إلى ذلك فواتير الاتصالات والكهرباء ومصاريف التعليم، التي قد تصل إلى 400 دينار شهريًا في بعض الحالات، ولا تنسى الجمعيات وأقساط السلف.
عند جمع هذه الأرقام، يتبين أن إجمالي المصروفات قد يتراوح بين 2600 و4000 دينار شهريًا، ما يخلق فجوة واضحة بين الدخل والإنفاق تُقدَّر لدى كثير من الأسر بما بين 800 و1500 دينار شهريا.
ست سنوات… والأسعار تضاعفت
مقارنة بسيطة بين أسعار 2020 و2026 تكشف حجم التحول في السوق.
كيس الدقيق الذي كان يُباع بنحو 28 دينارًا تجاوز اليوم 60 دينارًا.
لتر الزيت ارتفع من نحو 3 دنانير إلى قرابة 11 دينارًا.
كيلو الأرز تضاعف تقريبا ثلاث مرات.
طبق البيض الذي كان في حدود 8 دنانير يقترب اليوم من 22 دينارا في بعض الفترات.
حتى سعر صرف الدولار في السوق الموازي ارتفع من نحو 4.5 دنانير إلى ما بين 6.5 و9.5 دنانير، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة التي تمثل النسبة الأكبر من المعروض في الأسواق المحلية.
شهادات من الواقع
محمد بركة، موظف في وزارة الصحة وهو طبيب أسنان في طرابلس، يقول
“قبل سنوات كان مرتبي يكفيني ثلاثة أسابيع على الأقل، وأحيانا يبقى منه شيء للطوارئ. الآن بعد أسبوعين أبدأ أرتب أولوياتي من جديد، وأؤجل بعض الاحتياجات.”

أما عبدالباسط الشاوش من شارع بالخير فيؤكد أن التحدي الأكبر بالنسبة له هو الدواء:
“الدواء وحده يأخذ جزءا كبيرا من المرتب. أحيانا أشتري نوعا وأؤجل الآخر حتى الشهر القادم، وبعدين الراتب في ليبيا أصبح لا قيمة له بالذات لأصحاب الأسر والالتزامات المالية”
وفي بنغازي، تقول أم أحمد، وهي ربة أسرة مكونة من سبعة أفراد.
“أصبحنا نشتري الضروريات فقط. اللحوم ليست أسبوعية كما كانت، والفواكه أصبحت حسب القدرة. نحاول التكيف، لكن كل شهر أصعب من الذي قبله.

إلى أين يذهب الراتب؟
يقول حسن القديري من سكان منطقة رأس حسن إن تحليل توزيع الإنفاق الشهري لأسرة متوسطة يُظهر أن نحو 40% من الدخل يذهب للغذاء، وقرابة 30% للإيجار، بينما تتوزع النسبة المتبقية على الوقود والمواصلات والدواء وبقية الالتزامات.
هذا يعني أن أكثر من ثلثي الراتب يُستهلك في بندين أساسيين فقط: السكن والغذاء.
ويضيف أن حياة كريمة – وليست مرفهة – تحتاج إلى دخل يقارب 5000 دينار شهريا لرب الأسرة.
ومع أي ارتفاع طارئ في الأسعار، أو أي مصروف صحي غير متوقع، يختل التوازن الهش الذي تعيش عليه الأسرة.

لماذا تتآكل القوة الشرائية؟
يرى مصطفى كوكلة من سكان شارع جمال عبدالناصر أن تراجع القوة الشرائية يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها ،تقلبات سعر الصرف وتأثيرها على الواردات وفرض رسوم وضرائب إضافية على بعض السلع وتوسع السوق الموازي للعملةوضعف الرقابة على الأسواق وثبات هيكل المرتبات لسنوات دون مراجعة حقيقية تتناسب مع معدلات التضخم
في ظل هذه العوامل، لم تعد المشكلة في قيمة الراتب الاسمية، بل في قيمته الفعلية مقارنة بسلة السلع والخدمات.

بين الصمت والتأقلم
يقول عبدالسلام علي من منطقة زويلة بالجنوب إن المرتبات في ظل هذه الظروف من ارتفاع الدولار وغلاء الأسعار يفترض ألا تقل عن 10 آلاف دينار، مع زيادات بحسب الدرجة الوظيفية، حتى يتمكن المواطن من مواكبة هذا الغلاء وارتفاع قيمة الدولار والعملات الأجنبية الأخرى.
ورغم الضغوط، لا يظهر في الشارع الليبي حراك واسع مرتبط بملف المرتبات. ويعزو البعض ذلك إلى رغبة عامة في تجنب الفوضى أو الدخول في صدامات اجتماعية.
لكن الصمت لا يعني الرضا، بل قد يكون تعبيرًا عن محاولة الحفاظ على الاستقرار في ظل واقع اقتصادي صعب.
كثير من الأسر لجأت إلى استراتيجيات تقشفية مثل.
تقليل الكماليات ،إلغاء بعض الاشتراكات ،تأجيل الصيانة
البحث عن مصادر دخل إضافية
إلا أن هذه الحلول تظل مؤقتة أمام موجة تضخم مستمرة.
(سؤال مفتوح)
مع استمرار الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، يتكرر السؤال كل شهر:
هل الحل في زيادة الرواتب؟
أم في ضبط الأسعار؟
أم في إصلاحات اقتصادية أوسع تعيد التوازن بين الدخل والقوة الشرائية؟
حتى ذلك الحين، يبقى الراتب ضيفا عابرًا، يدخل الحساب في بداية الشهر، ويغادر قبل منتصفه، تاركا خلفه أسئلة أكبر من الأرقام، وهمومًا يومية لا تظهر في جداول الميزانيات، لكنها حاضرة في كل بيت.
صوت الشعر الشعبي
تقول إحدى قصائد الشعر الشعبي..
يا صاحبي كان جيت للمالية
أنشدهم على الراتب وعالعيدية
شن صار في راتبنا
قولو لهم رانا صحيح أتعبنا
من طول المراجا للمرتب شبنا
كيف من يراجي في صعيب الجية
ما عاد حاجة للعويلة جبنا
ولاهي علينا راضية الولية
تساؤلات حول دور المؤسسات الاقتصادية
يقول عبدالسلام محمود من منطقة المشروع..
في دولة يفترض أن ترسم فيها وزارة التخطيط ملامح المستقبل، وأن تضبط فيها وزارة الاقتصاد إيقاع السوق، يجد المواطن نفسه أمام واقع لا يشبه الخطط المعلنة ولا التصريحات الوردية.
فوزارة التخطيط، التي يفترض أن تضع سياسات تنموية طويلة الأمد وتحدد أولويات المشاريع وتراقب التنفيذ، لم يلمس المواطن من تخطيطها سوى ارتباكٍ مزمن، ومشاريع متعثرة، ووعود تتبدد مع كل ميزانية جديدة.
الخطط تُكتب على الورق، لكن الشارع يعيش بلا بنية تحتية متماسكة، ولا خدمات مستقرة، ولا رؤية واضحة لمستقبل الأجيال القادمة.
ويضيف:
أما وزارة الاقتصاد، التي تُناط بها مهمة ضبط الأسواق، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار، ودعم القطاع الخاص، فقد تركت المواطن وحيدًا في مواجهة موجات الغلاء، وتقلب الأسعار، وفوضى السوق.
فأين هي الرقابة؟
وأين حماية المستهلك؟
وأين التنويع الاقتصادي الذي يُنقذ البلاد من الارتهان لمورد واحد؟
هنا يقف السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس عن الصلاحيات المكتوبة في اللوائح، بل عن النتائج على الأرض.
ماذا قدمت هاتان الوزارتان غير مزيد من الضغط على معيشة الناس؟
كيف تحولت مهام “التنمية” و”الاستقرار الاقتصادي” إلى شعارات لا تُترجم إلى خدمات أو استقرار في حياة المواطن البسيط؟
لم يعد الحديث عن خطط استراتيجية يقنع من أنهكته فواتير مرتفعة ورواتب متآكلة وخدمات متردية.
المواطن لا يريد بيانات صحفية، بل يريد أثرا ملموسا يشعر به في كهربائه، وسوقه، ومرتبه، ومستقبل أبنائه..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية