ألرئيسيةالثقافيةجمال الزائديرأي

الحياة بدون خرافات

أشرعة

بقلم / جمال الزائدي

عندما يعلو خطاب الكراهية في مجتمع ما، فهذا مجرد عرض لداء قديم اسمه التطرف يصيب العقول بسبب فيروس أو وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة..

نحن نلوم وسائل الاعلام المرئية والمقرؤة والمسموعة، ونتهمها بالتسويق لخطاب الكراهية وإضرام الفتنة في النسيج الاجتماعي وووو.. وفي الحقيقة أن وسائل الاعلام خصوصا في بلادنا وفي البلاد التي تشبه بلادنا ، لاتعكس سوى القيم الجماهيرية الرائجة.. إنها بالمعنى الحرفي بوق ضخم للخطاب الثقافي السائد..

عندما نسمع تطبيلا عاليا ودعوات متشنجة عبر القنوات والصحف وصفحات التواصل على الشبكة الدولية  للحرب والقتال ضد الآخر المخالف سياسيا أو ايديولوجيا ضمن الدائرة المحلية أو الوطنية سمها ما شئت  يجب أن ندرك أننا نتعامل مع حالة ثقافية أكثر منها حالة اخلاقية..

التسامح مع الاختلاف والتنوع في الرأي والعقيدة.. قيمة فكرية مبنية على خيار واعي عقلاني  تتوصل إليه النخبة ويتبناه الشارع.. وليس مجرد سلوك أخلاقي يعكس تأثير البيئة الطبيعية كما يمكن ان نستنتج من مقدمة ابن خلدون الشهيرة.. أو كما يصفعنا الباحث التونسي في الشأن الليبي المنصف وناس عبر صفحات كتيبه المثير للجدل  «الشخصية الليبية ثالوث الغنيمة والقبيلة والغلبة»..

لن نجادل في أهمية تأثير العوامل البيئية على تشكيل طبائع الأفراد والمجتمعات ، فذلك شأن حسمته دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانية ..لكن مع هذا التقدم التقني والمادي الهائل خصوصا في حقل الاتصالات والمعلوماتية الذي تشهده البشرية بما يسمح بمزيد من التلاقح والاستعارة المتبادلة للقيم صار من المنطقي ان نتحدث امكانية التغيير وامكانية تحييد الموروث الثقافي الذي شكلته البيئة عبر التاريخ..

الخوف من الاصطدام بالتابوهات يظل مشروعا ومبررا ، لأن الخيارات الكبرى التي تغير اقدار المجتمعات لابد ان تطال مايعتقده البعض « ثوابت » ولابد ان تتحين اللحظات التاريخية المناسبة ..وفي اعتقادي ليس ثمة هناك انسب من هذه اللحظة التي تنهار فيها تصوراتنا الرومانسية عن حقيقة مجتمعنا التي طالما توارثناها جيلا عن جيل وتحملنا ثقلها المتخم بالاوهام والزيف..

الحروب الأهلية التي كان يمكن تجنبها بالقليل من الحكمة والتعقل والدماء والارواح الغالية التي تزهق بلامبرر والنزوح والتهجير والقسوة والتوحش التي تستولي على تفاصيل الصراع وتتحول إلى طريقة حياة على الجميع الخضوع لقوانينها.. هي درس باهظ الثمن على الليبيين أن يستفيدوا من مواعظه البليغة، والبناء عليها في صياغة معان ودلالات  جديدة واكثر وضوح  لمفردات الوطن والمواطنة والمشاركة السياسية والحقوق والواجبات التي تنظمها الوثائق الدستورية..

إن تجاوز سطور المحنة في صفحات حياة أي شعب تقتضي شجاعة من طراز خاص و تضحيات كبيرة سيقع عبأها الاكبر على النخبة الوطنية الحقيقية لتعلمنا كيف نتواضع قليلا ..وننسى كل ماتم حشوه في رؤوسنا، عن أمجاد وإنجازات  سلالتنا الخارقة..ونكف عن التفكير بأنفسنا كأنصاف آلهة..ولنتقدم خطوة أخرى أكثر جرأة ونؤمن بأننا بشر خطاؤون ..ثم نحاول ان نستطعم مذاق الندم..ثم لنتراجع خطوة الى الخلف.. و نعطي لتلك المادة الهلامية المحشورة داخل جماجمنا فرصة لتحلق بنا قليلا..ولنفكر.. نعم لنفكر.. ونشك.. ونشكك.. ولنكفر ببعض أساطيرنا أيضا..

لنجرب – ولو على سبيل التغيير- أن نعيش بدون حقائق قطعية وأفكار مفكر فيها وجاهزة للاستهلاك..

لنجرب ألا نكون مبهرين مرة واحدة في تاريخنا لعلنا نفلح في النجاة من جحيم غرورنا المهلك ونعود للحياة كشعب طبيعي بدون خرافات..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق