منصة الصباح

الحرية المشروطة : “العمامي وخشيبة” القصة الكاملة

إعداد /مني عريبي

لم تبدأ القصة بجريمة، ولم تُكتب فصولها الأولى داخل زنزانة ضيقة أو بين أروقة المحاكم،بل كانت  أحلام واعدة لشباب في ملعب صغير بليبيا، ومن كرة تتدحرج فوق التراب، ومن طموح واسع كان يتسع لقارة بأكملها، وجد الفتية انفسهم في ايطاليا الحلم ولكن خلف القضبان.

في عام 2015، حمل طارق العمامي ومهند خشيبة ورفاقهم حقائبهم القليلة وأحلامهم الكبيرة، وغادروا بلادهم بحثاً عن فرصة للاحتراف الرياضي،كانوا يرون في البحر المتوسط جسراً نحو المستقبل، لا حاجزاً يفصلهم عن مصير مجهول.

اسوار السجن 

وجد الشبان أنفسهم في قلب قضية جنائية معقدة شغلت الرأي العام الليبي لسنوات طويلة، وانتهت بأحكام قاسية وصلت إلى ثلاثين عاماً من السجن، على خلفية اتهامات تتعلق بالهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والتسبب في وفاة مهاجرين خلال رحلة بحرية،وفي المقابل، ظلت عائلاتهم تؤكد أن أبناءها غادروا ليبيا سعياً وراء حلم رياضي، لا ارتباطاً بأي نشاط إجرامي،ومنذ تلك اللحظة، دخلت حياتهم مرحلة مختلفة تماماً.

لم تعد الأيام تُقاس بالمباريات أو مواسم كرة القدم، بل بعدد الزيارات المحدودة والمكالمات النادرة وأوراق المحاكم المتراكمة مرت الشهور ثقيلة، ثم تحولت إلى سنوات اطول من اللازم .

في ليبيا، كانت الأمهات يترقبن خبراً يبعث على الطمأنينة، والآباء يخفون قلقهم خلف كلمات الصبر، بينما كبر الإخوة والأقارب دون أن يتمكنوا من مشاركة أبنائهم أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

خشيبة مجددا

وبمرور الوقت، تحولت القضية من ملف قضائي إلى قصة إنسانية مؤلمة، اختزلت معاناة جيل كامل من الشباب الذين خرجوا بحثاً عن فرصة أفضل، فوجدوا أنفسهم أسرى واحدة من أعقد القضايا العابرة للحدود.

وفي عام 2026، عاد اسم مهند خشيبة إلى الواجهة بقوة بعدما دخل في إضراب مفتوح عن الطعام، ووصل به اليأس إلى حد خياطة فمه احتجاجاً على أوضاعه وظروف احتجازه بعد أكثر من أحد عشر عاماً خلف القضبان، في مشهد صادم أعاد تسليط الضوء على القضية من جديد.

فضاء الحرية

بعد جهود اتصفت بالاستمرارية، أعلنت السفارة الليبية في روما الإفراج عن طارق العمامي ومهند خشيبة من أماكن احتجازهم، عقب صدور قرار من الجهات القضائية الإيطالية بوقف تنفيذ العقوبة، لينتقل للمرة الأولى منذ سنوات طويلة من عالم الزنازين المغلقة إلى فضاء الحرية المفتوحة.

لحظة الافراج عن الموقفين
لحظة الافراج عن الموقفين

ورغم أن القرار لم ينهِ القضية نهائياً، فإنه منح الشابين فرصة لاستعادة جزء من حياتهما التي توقفت عند لحظة اعتقالهما قبل أكثر من عقد من الزمن.

وفي مشهد امتزجت فيه الدموع بالفرح، استقبلت السفارة الليبية في روما الشابين، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتظار؛ لكنها هذه المرة ليست انتظار الخروج من السجن، بل انتظار العودة إلى الوطن.

ماذا يعني القرار قانونياً؟

د/ مجدي الشعباني عضو هيئة تدريس بالاكاديمية الليبية
د/ مجدي الشعباني عضو هيئة تدريس بالاكاديمية الليبية

 من الناحية القانونية، يوضح الدكتور مجدي الشعباني عضو هيئة تدريس بالاكاديمية الليبيةقال : إن قرار وقف تنفيذ العقوبة لا يعني إسقاط الحكم الجنائي أو إعلان البراءة، وإنما يمثل إجراءً قانونياً يتيح تعليق تنفيذ العقوبة في ظروف محددة يجيزها القانون الإيطالي.

ويشير الشعباني إلى أن القرار منح الشابين حريتهما الشخصية والخروج من السجن، لكنه لا يُعد حكماً نهائياً بإغلاق الملف، إذ تبقى الآثار القانونية الدقيقة مرتبطة بالحيثيات الرسمية التي استند إليها القضاء الإيطالي. كما أن عودتهما إلى ليبيا قد تستلزم استكمال ترتيبات وإجراءات قانونية وإدارية أخرى.

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع دخول اتفاقية تبادل المحكومين بين ليبيا وإيطاليا حيز التنفيذ، وهي الاتفاقية التي أعادت الأمل إلى عشرات العائلات الليبية التي تتابع أوضاع أبنائها داخل السجون الإيطالية.

أكثر من مجرد قضية

اليوم، وبعد أحد عشر عاماً كاملة، لم تعد هذه الحكاية مجرد ملف قضائي أو قضية دبلوماسية بين دولتين.

إنها قصة شباب خرجوا بحثاً عن حلم، فاصطدموا بواقع قاسٍ،قصة أمهات لم يتوقفن عن الدعاء، وآباء انتظروا سنوات طويلة لسماع الكلمات التي طالما تمنوها: “أبناؤكم أحرار”.

وهي أيضاً تذكير مؤلم بأن خلف كل حكم قضائي إنساناً له عائلة وحياة وأحلام مؤجلة، وأن السنوات التي تُقضى خلف القضبان لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تفقده الأرواح من عمر وذكريات وفرص.

وبينما يستعيد طارق العمامي ومهند خشيبة خطواتهما الأولى نحو الحرية، يبقى الأمل معلقاً بأن تُطوى بقية صفحات هذه القضية نهائياً، وأن يعود جميع أبنائها إلى وطنهم، لتُختتم واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيراً في الذاكرة الليبية المعاصرة.

 

شاهد أيضاً

صلاح يقود مصر إلى أول انتصار مونديالي

الصباح حقق المنتخب المصري فوزًا تاريخيًا هو الأول في مشاركاته بكأس العالم، بعد أن قلب …