منصة الصباح
التدخين.. بين الإضرار وحقوق الإنسان

التدخين.. بين الإضرار وحقوق الإنسان

الصباح/ مفتاح الصغير المصباحي
تصوير/ عبدالحميد ناجي

 

احتضنت العاصمة التونسية تونس، بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي لمكافحة التدخين، أعمال المؤتمر العلمي “المنتدى الأول.. التدخين في المغرب العربي: نقاشات حول تحدٍّ مشترك”، بمشاركة نخبة من أساتذة الطب وأخصائيي الأمراض الصدرية والباحثين من ليبيا وتونس والجزائر، إلى جانب إعلاميين وصحفيين مهتمين بالشأن الصحي، في محاولة لفتح نقاش علمي هادف حول واحدة من أكثر القضايا الصحية تعقيداً في المنطقة..

ورغم الحملات المكثفة للتحذير من أضرار التدخين، فإن الإحصاءات الدولية لا تزال تشير إلى وجود أكثر من مليار مدخن حول العالم، فيما تشهد دول المغرب العربي معدلات تدخين مرتفعة نسبياً بين الذكور البالغين، مع تزايد ملحوظ في استهلاك منتجات النيكوتين الحديثة..

وتشير تقديرات منظمة الصحة الدولية، والمنظمات المختصة، إلى أن التدخين يبقى أحد أهم الأسباب القابلة للوقاية للوفاة المبكرة، إذ يرتبط بسرطان الرئة وأمراض القلب والشرايين والانسداد الرئوي المزمن والعديد من الأورام الخبيثة..

جانب من حضور المؤتمر

مواجهة الحقيقة..

إلا أن النقاش الذي شهده المنتدى لم يقتصر على الدعوة التقليدية للإقلاع عن التدخين، بل تناول سؤالاً أكثر تعقيداً وواقعية: ماذا عن ملايين المدخنين، وخاصة كبار السن أو من أدمنوا السجائر لعقود طويلة، ممن فشلت معهم وسائل الإقلاع التقليدية؟ وهل يمكن أن يكون من حقهم الإنساني الوصول إلى بدائل أقل ضرراً تقلل من المخاطر الصحية، إذا كانوا غير قادرين على التوقف نهائياً..؟

هذا الطرح يستند إلى مفهوم “الحد من الأضرار”، وهو مبدأ معتمد في عدد من السياسات الصحية العالمية، ويقوم على تقليل حجم الضرر عندما يصبح القضاء الكامل على السلوك الخطير أمراً غير ممكن. ويطبق هذا المبدأ في مجالات متعددة، مثل برامج استبدال المواد الأفيونية، واستخدام أحزمة الأمان، وتوزيع الحقن الطبية الآمنة، وغيرها من التدخلات التي لا تُلغي الخطر بالكامل لكنها تحد من آثاره..

جانب من حضور المؤتمر

تقنيات حديثة تُقلل المخاطر..

وفي مجال التبغ، برزت خلال العقد الأخير تقنيات حديثة تعتمد على تسخين التبغ أو السوائل المحتوية على النيكوتين بدلاً من حرقها، مثل منتجات التبغ المسخن والسجائر الإلكترونية..

وتقوم الفكرة التقنية لهذه المنتجات على تجنّب عملية الاحتراق التي تنتج آلاف المركبات الكيميائية السامة، بما فيها نسب كبيرة من القطران وأول أكسيد الكربون والمواد المسرطنة المرتبطة بدخان السجائر التقليدية..

جانب من حضور المؤتمر

وتشير دراسات وتقارير صادرة عن عدد من الهيئات العلمية الدولية، إلى أن هذه البدائل قد تُقلّل تعرض المستخدم لبعض المواد الضارة، مقارنة بالاستمرار في تدخين السجائر التقليدية، إلا أن هذه المنتجات ليست خالية من المخاطر، كما أن آثارها الصحية طويلة المدى ما زالت محل متابعة وبحث علمي مستمر..

ولذلك تؤكد معظم المؤسسات الصحية أن استخدامها يجب أن يكون محصوراً في المدخنين البالغين الذين لا يستطيعون الإقلاع، وليس وسيلة لجذب مستخدمين جدد للنيكوتين..

حقوق الإنسان..

وفي هذا السياق، يطرح بعض الباحثين بعداً أخلاقياً وحقوقياً للنقاش، يتمثل في حق الفرد البالغ في اتخاذ قراراته الصحية المستنيرة، خاصة إذا كان مدركاً للمخاطر وغير قادر على التخلي عن الإدمان..

ويُقارن أصحاب هذا التوجّه بين إتاحة بدائل أقل ضرراً للمدخنين وبين سياسات صحية أخرى أقرتها بعض الدول، مثل الحق في الرعاية التلطيفية المتقدمة أو بعض أشكال المساعدة الطبية في نهاية الحياة كالموت الرحيم، أو تشريعات الإجهاض، انطلاقاً من مبدأ احترام استقلالية الفرد وحقه في الاختيار ضمن أطر قانونية وصحية محددة..

غير أن هذا المنظور لا يعني بأي حال من الأحوال التهاون مع انتشار التدخين، أو التسويق لمنتجات النيكوتين بين الأجيال الجديدة..

جانب من حضور المؤتمر

فالخبراء المشاركون في المنتدى شدَّدوا على أن أي سياسة للحد من الأضرار يجب أن تترافق مع حماية صارمة للأطفال والمراهقين وغير المدخنين، ومنع وصول هذه المنتجات إليهم، وحظر أي دعاية قد تصورها على أنها منتجات آمنة أو أسلوب حياة عصري..

ويُجمع المختصّون على أن الهدف النهائي للصحة العامة يظل خفض معدلات التدخين وصولاً إلى الإقلاع الكامل، لكنهم يختلفون حول أفضل السبل لتحقيق ذلك بالنسبة للفئات التي أخفقت معها برامج العلاج التقليدية. وبين الدعوة إلى المنع الكامل والدعوة إلى تبنّي استراتيجيات الحد من الأضرار، يبدو أن النقاش العلمي في دول المغرب العربي قد بدأ يدخل مرحلة جديدة، عنوانها البحث عن حلول واقعية تراعي حق المجتمع في الوقاية، وحق المدخن البالغ في الحصول على خيارات قد تقلل من حجم الضرر إذا كان عاجزاً عن التخلص من الإدمان..

ويبقى الثابت الذي لا يختلف عليه الأطباء والباحثون أن أفضل قرار صحي هو عدم البدء بالتدخين أصلاً، وأن الإقلاع الكامل يظل الخيار الأمثل، بينما قد تمثل البدائل الحديثة، وفقاً لما ستثبته الأبحاث المستقبلية، مساراً انتقالياً لبعض المدخنين البالغين الذين لم تنجح معهم محاولات التوقف، شريطة أن يتم ذلك ضمن ضوابط علمية وتنظيمية صارمة، وبعيداً عن استهداف الشباب أو تشجيع غير المدخنين على الدخول في دائرة الإدمان..

شاهد أيضاً

حنين وبوح يفتتحان أفق التجربة الأدبية ل"بوحفحوف"

حنين وبوح يفتتحان أفق التجربة الأدبية ل”بوحفحوف”

أطلقت دار “النخبة” للنشر والتوزيع بالقاهرة، للكاتب الليبي الشاب “عبدالرحيم علي بوحفحوف”، عملين أدبيين جديدين …