ألرئيسيةالثقافيةعبد الحكيم كشاد

التجربة العاطفية في عيون المبدعين – الجزء الثالث

عبد الحكيم كشاد

يقول» اورهان باموق» الكاتب التركي في روايته «الحياة الجديدة» على لسان «عثمان» : (قرأت كتابا فتغيرت حياتي ).. وربما  التقيت بامرأة فقلبت هذه الحياة ! .. قصة اللقاء الأول .. علامة تحوّل ، تنحت التفاصيل القادمة ..  الكتاب الغامض ،الذي حوّل حياة «عثمان « الى هالات النور، وخلق جنة الخيال ،على الأرض ،هي قصة الأنثى في مسارب  الروح ، ذلك الكيان، البسيط والمركب .. السهل والصعب ،في تحول الكثير من المسارات والدروب .

كيف التقيت بها ؟ كيف حدث ذلك اللقاء الأول بينكما ؟  ربما حبيبة مازال عطرها يتنسم روحك .. ربما هي الآن شريكة حياتك  وربما في الذاكرة يلاحقك مازال طيفها، وأنت بعد صغير دون أن يتلاشى .. ما السر في  أن يصبح هذا اللقاء الايقونة التي قامت عليها حياتك فيما بعد .. كيف حدث ذلك، ما وجه هذه المصافحة ، كيف كانت صدى تلك الهمسة الساحرة التي ربما الصدفة المبيّتة رتبت حواشيها ،وطرزت قماشتها المبهرة . مجموعة من المبدعين يرسمون هذا اللقاء بكلماتهم وكأنهم ينقشون تلك اللحظات  في مهدها ويستعيدونها بنظرة الآن

عبد الحكيم كشاد

نجم سقط من مآقي السماء على كفي !

كمال العيادي ..  شاعر وروائي تونسي

سبعة وعشرون (27) سنةٍ مضتِ اليومَ مُنذ إلتقيتها لأوّل مرّة بمبيتِ الجامعةِ بمُوسكو صباحَ يوم خميسٍ صادفَ التّوافقَ التّاريخيّ: (7.7.1988).. وهوَ تاريخٌ مُباركٌ دوّنتهُ وشمًا في ذاكِرتي وقد رأيتُ في الحُلم ليلتها أنّ نَجمًا صغيرًا مُلوّنا في حَجم فراشةٍ انْحدَر دَافئا مِن مَآقِي السّماء وحطّ على كَفيَّ فأستوقدَ فيهِما نوّرًا بدِيعًا ضاءَ في الكَون وانتشرَ منه طيب مذهل لم أستنشق كمثلِ شَذاه..وها أنّنِي وأنا عندَ خوخةِ الكُهولةِ أخُطّ خَببًا صَوبَ النِّصفِ الأقصرِ المُعتّقِ من عُمري تكادُ كلّ أحلامي تتلخّصُ في رَجاءٍ واحدٍ: أن يحفظها الله لِمصرَ ولِي ويغفرَ بها ذُنوبِي وذُنوبَ كلّ أيتامِ اللهِ فِي أرضِهِ اللامُباليّة الشّمطاء وأن يزيدَ فيمنحنِي نصف ذنوبَها التّافهة ويكتُب لهَا نصف حسناتِي المَلكيّة

الخيول تركض في الاتجاه المعاكس !

كاتب ليبي / عبد الحكيم الفيتوري   

كانت الخيول تركض وقتها أو كأني بالنجوم تومض . السماء تفتح صنبور مدرارها .. الوقت لا يمكن الا أن يتجّمد ليكوّن روافد فيما بعد ،تصب كلها في مجرى حياتك ! .. حلمت يومها ،قبل أن القاها بحلم جميل ،هالة من النور، تتبعني حتى احتوتني ،فعشت عيني ،كأني لم أر ما يجب أن أراه ! كنت وحيدا ،ويتيما رغم صخبي ،ومشاكساتي ،رغم فيوض البلبال التي تعتورني  ،غير أني بعد لقائها ،اهتديت بما يسمى بالمعنى لما يحدث لي .. صار ميزان زمني بلا غش ،ربما وضعت في الكفة الصح ،بعيدا عن ميزان خاسر .! كانت تجلس مع صديقتها، التي هي من اهتممت بها أول الأمر ! وكان كلما جلست اليهما كنت  منجذبا اليها دون أن أدري احتارت صديقتها ،واحتارت هي ،! واحترت أنا ايضا، كيف يحدث هذا ؟! قلت أيمكن أن تخدعنا مشاعرنا ؟! صححت المسار بعد زمن ليس بالكبير اخبرتها ،واخبرت صديقتها ،مواجهة ثلاثتنا كان المنقذ لنا ، فكانت الصدمة، ولكنها الحقيقة . غضبت هي، وابتعدت الصديقة ، لأنها اعتبرت ما حدث خيانة لصديقتها . وصمت أنا  كأني لم أتكلم من قبل !،الصمت في وقته ومكانه كي تهدأ الأمور .. بعد زمن قلت لها أن عواطفنا احيانا قد تخدعنا ، اذكر اني اعطيتها رواية «ذهب مع الريح» لتقرأها ، لا اريد لها أن تكون «سكارلت « ولا أنا «اشلي « .. بكبرياء اخبرتني أن القصة انتهت، وقالت : هي صديقتي على كل حال، اتمنى لكما كل خير ..  كانت الخيول تركض هذه المرة في الإتجاه المعاكس والنجوم توهمني بأن بريقها كاذب ! والسماء كأنها تبكي في مدرارها ! كأن شيئا ما يسخر مني ! لكني لم اصدق هذا التحول المخادع ايضا ؟ عندما قابلتها أول مرة بعد ذلك كانت صفراء شاحبة كأنها تخجل مما حدث، ويحدث لكن مالا يخفي ،أنها تقول بعينيها التي كانت تحتويني ما يبدد هذه الصفرة وذلك الخجل احسست أنها لي .. واحست بنداء داخلي حاسم ،أني لها .. فما اقوى ما تبعثه ارواحنا وأن عصفت بها الرياح !

خيط من ضوء القمر كان أسمي  يتسلل من فمها 

فؤاد زويريق.. المغرب ..ناقد ومخرج سينمائي 

ما زلت أتذكرها الى الان، ما زلت أتغنى بها، لازال ألمها الجميل يعتصر قلبي ووجداني، بل مازال قلمي يرشح عشقها ومفردات حبها..كان حبا طاهرا بريئا نبيلا. ما زلت أتذكر سحر عينيها وهي تحصي الحصى المنثور تحت رجليها خجلا.. مازلت اتذكر يديها المتشابكتين وهما ترتجفان خشوعا.. كنا مراهقين.. مراهقين وكفى، لم نكن نفكر في الزمن وغدره، ولم نكن نحلم بالمستقبل وقلقه، كنا نعيش الحاضر برمته، بلحظاته العاشقة الصامتة، وبتجلياته السيزفية الرائعة المنكسرة على صخرة حبنا..كانت لي وكنت لها، كنا خارج الزمن، بل كنا خارج الوجود باكمله..كانت تحدثني عني وكنت احدثها عنها… يااااه..كم كنت افرح باسمي واستمتع به وأتلذذه وهو يتسرب من فمها كخيط من خيوط ضوء القمر المتسلل في ليلة سوداء قاتمة. كنا نلتقي في كل استراحة مدرسية كنا نستغل كل ثانية فيها كنا لا نشعر بانقضائها الا بعد صراخ هذا الاستاذ اوذاك، كان الوقت يمر بسرعة كنت لا أشبع من نظراتها وهي لاتشبع من سماع صدى نبضات قلبي المتسارعة، كانت تكتفي بالنظر الي وكنت اكتفي بالنظر اليها، وكل ذلك في صمت خجول، لم نكن ندري بما يجري حولنا، كنا نظن ان سرّنا يسكن روحنا فقط ، كنا لا ندري ان سرنا يعرفه العالم أجمع. ومع ذلك لم نكن نخجل من عشقنا، ولم نكن نداري حبنا، ولم نكن نختبئ تحت مقعد الدراسة، أو وراء جدار منعزل، أو تحت سقف مهجور، أوشجرة مرمية عند تخوم هذه الضيعة أو تلك. كنا كما نحن نشهر حبنا ونعلنه، لانه ببساطة كان حبا بريئا صادقا طاهرا، ولانه كذلك بقي محفوظا مصونا داخل ثنايا قلبي وذاكرتي.

اخذت منحوتتي .. وهي لا تدري بما نحتت عميقا هناك !

محمد أبو ناصر.. قاص  عماني

هل يمكن لشخص ما أن يغير نظرتك وتصورك لكثير من الأمور في الحياة في ظرف أيام معدودات ؟

هذا ما حدث لي والصدفة وحدها من جعلنا نلتقي أول مرة, وفي ظرف وجيز جعلتني أعيد النظر في كثير من الأشياء. داخل قاعة العروض للفنون التشكيلية، كان لقاءنا الأول.أمام نفس اللوحة وقفنا جنبا لجنب،التفتت إلي، والتفتت إليها ،تبادلنا الابتسامات. -لوحة جميلة قالت لي – نعم إنها كذلك أجبتها، اقتربت أكثر لتقرأ اسم الفنان  أسفل اللوحة. ثم افترقنا ،ومضى كل منا في اتجاه معاكس .سنلتقي مرة أخرىـ وبعد دقائق  أمام منحوتة هذه المرة.التقينا في نفس اللحظة وكأننا ضربنا موعدا ، ضحكت وهي تقول : العالم صغير جدا… اكتفيت بهز رأسي،هذه المرة كانت هي وحدها من يتأمل المنحوتة، أما أنا فقد كنت أتأملها!! ذلك اللمعان في عينيها الخضراوين  ،تلك اللهفة البادية في كل تقسيمة من تقاسيم وجهها،كل حركة من حركات جسدها المعتدل،كل ذلك أثارني وأنا أتابعها بعيني وهي تلف وتدور حول المنحوتة برشاقة، تصدر عنها بين الفينة والأخرى  «واو…..وااو..».وأنا تنفذ إلى أنفي رائحة عطرها وأكاد افقد الإحساس بالزمان والمكان. – إنها رائعة…قالت منبهرة الأنفاس – نعم!؟ قلت متسائلا بدت مندهشة وهي تقول: المنحوتة… الا تجدها انت رائعة!! – اه عفوا لقد شرد بالي للحظة  ،انحنت لتقرأ اسم النحات. افترقنا مرة اخرى.غادرت قاعة العرض ،عبرت الشارع ورائحة عطرها ماتزال تدغدغ انفي.رداد خفيف يتساقط ,يمنح للإسفلت والسيارات لمعانا خفيفا. غير بعيد عن المعرض صادفت محلا لبيع الأشرطة والأسطوانات الموسيقية وكذا الأفلام. ولجت المحل ،ك واخترت اسطوانة لbb King وفيلم le parfum .وعندما تقدمت نحو صاحب المحل لأدفع الثمن، لمحتها على وشك المغادرة، كانت تحمل شيئا مستتطيلا ملفوفا بعناية في ورق مقوي ،التفتت ورأتني ،ابتسمت ومضت. لم أكد ابلغ منعطف الشارع حتى وجدتها هناك واقفة،بيدها كتاب تطالعه واللفة الورقية الى جانبها مستندة إلى الحائط. – عفوا ..بادرتني عندما صرت بموازاتها توقفت وفي ظني أنها ستسألني عن وجهة ما.

– هل لديك مانع أن اخذتك إلى احد المقاهي لنشرب شيئا ونتجاذب ا الحديث قليلا؟ قلت لا مانع عندي ،وقد أحسست بشيء من الزهو، جميل أن تتحرش بك امرأة! في المقهى عرفت أن اسمها مادلين من أب أمريكي وأم فرنسية، حكت لي عن شغفها بالفن،أطالت النظر إلى يدي الممسكة بكأس القهوة على الطاولة، قالت: أنت فنان. سألتها كيف عرفت ذلك ،قالت: لا يذهب إلى المعارض إلا فنان او مهتم بالفن،ثم أردفت: هل أنت موسيقي؟ قلت:  لماذا تظنين ذلك؟. ردت لديك أصابع عازف البيانو. قلت : أحب الموسيقى ولكني لا اعزف. قضيت معها أسبوعا واحدا غير الكثير في حياتي .زرنا معا أكثر من مدينة،وكثيرا من معالم تاريخية ،معها عرفت قيمة الوقت ، عرفت منها التخطيط المسبق للسفر ، الحجز المسبق في الفندق, وضع خريطة طريق للأماكن التي يجب زيارتها في كل مدينة، .

ونحن جالسين بالمقهى، أخبرتني أنها اشترت المنحوتة التي نالت إعجابها بالمعرض،

« رأيك»؟

وأضافت:» اmon coup de Coeur ، ألا توافقني الرأي؟»

ابتسمت وأنا أقول:» لااستطيع ابدا رأيي « ، بدت مندهشة،»

قالت – why

لأني صانعها قلت!.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق