ألرئيسيةالثقافيةفتحية الجديدى

(الأوبة) للكاتبة وردة عبد المالك.. (سردية متمردة ).. وعمق معاناة 

كتبت \فتحية الجديدي

توطئة

……..

موقفها المتمرد في نشر روايتها (الأوبة) عن دار الساقي في بيروت، ثم اختيارها لهذا العنوان، وتحملها المسؤولية تجاه طموحها، في نصها الموغل في الحالة الإنسانية، جعلني أقوم بالكتابة عن هذه الرواية للكاتبة –وردة عبد الملك ، التي سردت  تفاصيل حكاية بطلتها (سارة ) ابتداء من  ليلة الزفاف، التي لم تجري وفق الطرق البائسة المعهودة ، ولا بأسلوب إنساني مغاير .

وهي الليلة التي كان فيها السيد الوحش هو (بطل الليلة) واختفت منها ملامح الرومانسية والتعامل الطبيعي بين المرأة والرجل، خاصة في مثل هذه الليلة التي نعرف عنها الكثيرـ لكنها تختلف بين ثنائي وآخر، والهدف واحد ! وصولا إلى معيشتها داخل مجتمع منغلق، حول حياتها إلى جحيم، بكل ما ذاقت فيه من ويل، وما عانته من ألم.

اجتهدت ( وردة ) في نصها، وامتلأت ( الأوبة )  بها كأنثى وليس كمجرد عمل أدبي فقط ، لدرجة قد نشعر بأننا (سارة )  يوما ، وهي بين أسنان الوحش(عبدالله ) ليفترشها ويفترسها في آن  ، واختفاء الفرح من عيني الضحية –كما سرد شقيق سارة – ،  فأرادت سارة  أن تؤوب عندما استشعرت عدم سلامة عالمها وأن عشيرها غير سوي.

…………..

وقفت وردة عند المطلب الإنساني لدى سارة عندما كتبت في سطور الصفحات الأولي من الرواية (لم يقدم كأس ماء ولا وردة، ولم أسمع منه كلمة ولا همسة، ولم يداعبني ولم يلاطفني، كما لمثلي أن تحلم أو تتخيل) تذكرت معها (العريس المرتبك بعد إقفال الغرفة مع أن البيت فارغ ) واضعا علي (شوفونيرة ) الهدية التي ربما يتفق علي اختيارها أغلب العرسان ، إما أن تكون زجاجة عطر، أو باقة ورد، أو خاتم مميز، ولم يفكر أحدهم  أنها هدايا بائسة !! ومكررة ، ولم يفكر أي عريس بأن ربما، صورة جمعتهما سابقا أو منديلا قد نسيته حبيبته في مكتبه بعد أن قبَّلها هناك ، أو مظروف  سمين لا يحتوي على نقود رخيصة بل علي ورقة مطوية كتب عليها بوح من النوع الرفيع،  أجمل بكثير من التعبير بهذا الرخص ، كي لا تظهر القصة كبيع وشراء !

تفجرت الكاتبة من حسرتها وهي تخبرنا عن احتقار الزوجة سارة للأسلوب الذي وقع عليها ، واصفة .. (خلع ثيابه وأبقى عليه سروالاً قطنياً ممططاً ومائلاً إلى الصفرة يصل إلى حدود ركبتيه) كذلك (أمطرني بقبل متلاحقة على وجهي، يأكل فمي ويمضغ لساني ويحك أسنانه بأسناني وأصابعه تعتصر تفاحتي بشدة، حتى يبلغ رقبتي، لم يتركني إلا مع آذان الفجر)!!

…………..

بدأت مأساة سارة من الرقابة الصارمة والمتخلَفة على المدارس النظامية ورفضها القاطع لكل أشكال التحرر ، عندما كانت بحوزة سارة  نسختين من روايات عبير ، كانت تحتفظ بهما في محفظة كتبها، عندما خضعت للتفتيش الأسبوعي من قِبل الاختصاصية الاجتماعية التي تراقب النظافة العامة وتتابع أحوال الفتيات بكل تسلط،  فإذا بها  لا تسدي معروفا ولا كتمانا في فضح الطالبة وتهديدها باعتبار أن قراءة هذا النوع من الكتب  هو أمر محرم ، ويمكن بسببه مخالفة الطالبة ، التي قد تؤدي بها إلى الطرد من  المدرسة ، إلا بعد توقيع ولي أمرها على تعهد بعدم تكرار ذلك ، وهنا وقعت سارة ضحية  الابتزاز ، حتى تمكنت إحداهن من اصطياد الفتاة الصغيرة وتقنعها بالزواج من شقيقها الذي يكبرها بخمس عشرة سنة -كما أكد شقيق سارة – الذي لم يُخفِ امتعاضه من هذه الظاهرة ، تم الزواج  الشرعي فعلا ، وتغيرت  حياة الفتاة  بالكامل وعدلت عن دراستها الجامعية وتغير نمط عيشها المبني على المحرمات حتي في حيازة الصور ،التي تخلصت منها علي الفور، تلك التي كانت تجمعها بأهلها !، ودخلت لعالم كان السجن، هو أوضح ملامحه  بإغلاق الأبواب عليها ، والمواظبة علي الدروس مع شقيقة زوجها “الشيخة ” (فلوة) التي تأخرت في زواجها ولازمت أخيها عبدالله الذي يقوم بدور الحارس الأمين لاصطحابهما  ، حين كان يقابل جاره مع زوجته الشامية دوما الذي يناظرها بغرابة لدرجة استياء زوجته سارة من تصرفاته، لكنه لا يعير تعليقاتها المتكررة أي اهتمام.

مضت البطلة في البوح بما كابدته من القهر ومرارة العيش بسبب العشرة مع رجل غير متكافئ معها لا سناً ولا ثقافةً ، بل الأمر تعدى ذلك إلى كونه أحد المصابين بأحد الأمراض النفسية استدعت حالته الدخول لأحد المراكز المختصة أكثر من مرة ، ما جعل الفجيعة أكبر، أضافة إلى الجريمة التي ارتكبت في حق سارة من طرف الشقيقة اللئيمة ، ولم يكن لظهور تصرفات وأساليب اجتماعية خاطئة بشكلها العلني مبررا إلا الحالة  العبثية التي كانت واضحة من  طرف الزوج ،والاحتجاج  الدائم من الزوجة على وضعها المزري، الذي لا يقف عند الغرائز بل تعدى  ذلك إلى اتخاذ المواقف التي يمكن أن تكون صحية، أو التي قد تقود لمرحلة الانفصام في مجتمعات تتحدد فيها نمط الحياة والأفكار أيضا ! وترفض الواقع المتحرر وفق منظومته المنغلقة.

شمل وسط الرواية علي العديد من المواقف  كوصف حالة عبدالله الصحية  والكثير من التفاصيل المتعلقة بالأفكار المتخلًفة وسيطرة ( الشعوذة ) على عقل عبدلله، وإخضاعه للتعذيب الجسدي بدعوى إنقاذه من (الجن ) ، وأيضا عدم تخلي زوجته سارة عنه رغم قسوته ، وتضحيتها الكبيرة  من أجل العودة إلى جامعتها .

كما قادنا النص إلي مكامن العجز ليس عند سارة فقط  في وقوعها ضحية للقهر المجتمعي ، وإنما عند الرجال في بلد يتحول فيها  العقد المقدس إلى  قيد مقدس ، وحياة سعيدة ، لموت بطيء ما دفع بطلة العمل إلى التمرد على ذلك الواقع المؤلم ، حين وجدت نفسها ضحيته ولم تجد لها مخرجا ، وإنما يظهر ذلك في تعبيرها الفاضح أحيانا عن رفضها لشكل حياتها، وفي الممارسات  المحرمة  التي طالت منظومتها في العيب والمكروه ، كما أعطى النص بُعدا اجتماعيا صريحا لترويج الأفكار الرافضة للقمع نحو ممارسة الحرية،  وذلك من خلال أصوات شخوص الآخرين، الذين كانوا في الرواية ، ( مشاري ) الذي كان  هو الزوج الثاني ، وأيضا الشقيق (عمر ).

ولم أرى توظيفا للنص للابتعاد عن الحوار الذي يعد ركيزة لهذه المطالب ، بل كان توظيفه لهذا الغرض وسرد البطلة لمعاناتها في مجتمع اعترفت فيه بالتربية الصارمة ، هو ما أضاف عنصرا قويا  لتصديقها  والإيمان بقضيتها والوقوف إلى جانب مطلبها ، وإحساسها بأن الزوج يمكن أن يكون السجان، عندما يكون الاختيار بناء على الشكل الاجتماعي المقيت ، الذي تتحول فيه المرأة إلى (بضاعة ) وفق لغتها الواضحة في وصفها لمجتمعها – وحقا أفلحت سارة في التخلص من عبدالله وجحيم عشرته ، بعد أن عبرت عن أهانتها له، عندما قدم لها مهرها مقابل أن تترك تعليمها  ،مما جعل من الأوبة عنواناً لهذا لنص ووضع الأصبع على الجرح .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق