ألرئيسيةالثقافيةمحمد الهادي الجزيري

إطلالة على تجربة الشاعر مراد السودانيّ

 محمد الهادي الجزيري

أشعل في ليل تغريبتي جلّنار الحديقة

حتّى يراني المحبّون

شهم  وشجاع .. من تاريخ القدس الأبية ومن حقول فلسطين وبساتينها .تفيّأت ظلّه مرّتين  الأولى في مصر أيام انعقاد مؤتمر اتحاد الكتاب العرب في 2012 والثانية كانت في تونس أيام كنت كاتب عام لاتحاد الكتاب التونسيين وأشرفت على أمسية شعرية على شرفه ..، إنّه الشاعر مراد السوداني الأمين العام السابق لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين ..، وظلت علاقتنا على حالها إلى أن قرأت خبر صدور مجموعته ” مرقى الغزالة ” فطلبتها منه وكان لي ما طلبت ..وها هي الغزالة ترتع في بيتي وتذهب بالمعنى في كلّ صوب ..، وإنّي أدعوكم إلى تقصّي أخبارها وتتبع آثارها في ما سأكتبه عنها…

أوّل الأمر يحدّد الشاعر وضعه وطموحه…، يقول أنّه يتخطى سنّ النبوءة بشتّى الحالات النفسية منها ما هو شعريّ مرتبط بوجع الرؤيا ومنها ما يطفح من كشف صوفيّ ..، وأهمّ نقطة في هذا البوح الأوّل هو ما يفعله بقلبه الهائم وما يقوله للغزالة من نداءات ..كأنّه يدعوها إلى عناق لا فكاك منه…

أعبرُ الأربعين بوجع الرؤيا وفيض الكشوفات وبروق الحدوس، أسند القلب إلى صخرة في أعالي الجبال، وأسنده غزالة المعنى…

أن تكون شاعرا وحده ..هذا يكفي ، أمّا أن تكون شاعرا وفلسطينيا  فهذا كثير وحمل ثقيل..، كم تنوء بما تحمله من أحزان وهموم ومصائب ..، أكاد أقول أنّك تفتري علينا ..فلم تزل تراجع حلم الغزالة ولم تغادر خدرها أبدا

” أغادر خدر الغزالة، حلمها لا يغادرني، ثقلت عليّ عباءة الحزن، فرّق قلب الفتى الجبليّ، أيّة سماء تقترب في لحظة العناق..؟ ”

ثمة إشارة متميّزة قام بها مراد السوداني إلى الشاعر التونسي سليم دولة ..، إشارة تؤكّد قوة الصلات الرابطة بين المبدعين ..، ألم أقل أنه يحمل أكثر ممّا يجب ..، أنصتوا إليه

” وتعبرني الأربعون..صعدا من المعرفة إلى ندهة العرفان والوجد الكيّاد والتجلّي المكين توحّش قلبي ” ف ” جنيتُ ألذّ ثمار الخسارات ” ، بتعبير شقيق الورد ، صاحب جريح توْنُسَ،سليم دُوْلَةْ، وتهدّلت الأحزان على نصل روحي

هذا أكيد : فالعالمية تبدأ من جسدي قبل بلدتي ووطني..، من يريد أن يفاخر بحبّه وفدائيته لبلاده يكتب بصدق وعفوية وخاصة إن كانت فلسطين جرح العالم الذي ينزف من سنين يقول الشاعر المهدي الملتزم أنه ذاق لبّ المحبّة في قريته ..ولسوف يظلّ على الطريق القويم إلى أن يحرّر القدس ..تلك عاصمة فلسطين الأبدية

” كنت صغيرا عندما ذقت تراب قريتي،

ومن يومها ورائحة التراب

على لساني…

ومن كانت رائحة تراب قريته على لسانه

لا يضلّ ولا يشقى”

كثير ما باح به فتى الجبل في هذه المجموعة ..، ما بين قصيدة نثرية مختزلة وبين قصيدة تفعيلة طويلة ..، ولعلّ من أهمّ ما طفح منه هذا المقطع الصادق ..الذي قال فيه كلّ شيء..وتحدّث فيه عن الذكرى والغزالة وعن الدروب والنساء وعن كسرى الملعون وعن القناعة بما أورثته العشيرة

” ذكرى الأحبّة تجرح نوم الفتى

فقد ضيّعوني صغيرا

أنا مَن على حلم أرضعتني الغزالةُ

طفلا ببادية الشامْ

وأنا مَن على حلم صقلته دروب البعيدة رمحا

فصرت كما تشتهيني النساءُ

غويّا كليل إمرئ القيس

لكنّ خدر الغزالة أبعد من شهقة القلبِ

أدنى من الطعنة الماكرةْ

لم تُرقْ لي عباءة كسرى

أنا الجبليّ المتوّج بالجلّنارْ

رضيت بما تركته العشيرة في الرحلة الخاسرةْ

طرقي لا تؤوبُ “

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق