اقتصادتقارير

إصلاح التمويل الاستثماري العام والخاص  ‪(3‪)

محمد أحمد

 

النظام الجمركي لم يكن ناجحاً في تحديد السوق المحلية نتيجة عوامل متداخلة منها نقص الخبرات الفنية

لا أناقش هنا موضوع الدعم في حد ذاته حيث إن ذلك موضوع بحثي آخر، ولكني أحاول أن أوضح الآثار السلبية لاستمرار نظام دعم حكومي غير متوازن على السياسة التجارية للدولة، الدعم الاستهلاكي بدون شك يؤثر في عمليات الإنتاج والتوريد وبذلك يضع قيوداً على عملية إصلاح السياسة التجارية.

دعم المواد الغذائية لفترة طويلة من الزمن دفع إلى تعثر القطاع الزراعي في ليبيا في الانتقال مرحلة البيع المباشر للمستهلك إلى الدخول لمرحلة التصنيع، فزيت قرطاج التونسي “المدعوم في ليبيا” أزاح صناعة “زيت الزيتون” الليبية الناشئة وجعلها محصورة في نقاط معينة في المناطق الجبلية، دعم أسطوانات الغاز المنزلية بكثافة قاد إلى فقدان الاهتمام بشبكات توزيع الغاز في المدن، الدعم الكثيف لبنزين السيارات أدى إلى تلاشي الاهتمام بتطوير شبكة طيران محلية تربط المدن الليبية الرئيسية نتيجة للارتفاع النسبي لتكلفة الطيران الجوي وأدى كذلك إلى فشل الكثير من مشاريع النقل الجماعي البري بين المدن وداخل المدن كذلك.

إن نشوء وتطور صناعات معينة داخل نظام الدعم قد يرتقي إلى المستحيل ليس بوجود الدعم نفسه، بل بجمود الدعم وعدم مسايرته للتطور التقني والديموغرافي في البلد، لا أظن أن الاستمرار بنظام دعم المحروقات الحالي بنفس الكيفية يمكن أن يقود إلى أي إصلاح في السياسة التجارية لنظم توزيع وبيع المحروقات، بل سيقود إلى مزيد من المختنقات نتيجة عجز الدولة والشركات التابعة لها عن الاستثمار لحل هذه المختنقات المتصاعدة.

إصلاح النظام الجمركي والضريبي: ترتبط التجارة على الدوام بحجم السوق ودرجة تطوره وفي النظام الاقتصادي الحديث القائم على النظام السياسي القومي تم استعمال وسيلة التحكم في التجارة الخارجية عن طريق التعرفة الجمركية والتحكم في التجارة الداخلية عن طريق الضرائب على السلع والخدمات، وقد كانت التعرفة الجمركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية محلاً للصراع السياسي فيما عرف مسبقا باتفاقية (جات GATT) وما تطور منها ليصبح منظمة التجارة العالمية WTO, والحرب التجارية والجمركية بالرغم من أن منظمة التجارة العالمية خففت منها كثير إلا أنها لا زالت مستمرة بطرق قانونية وإجرائية عديدة هي خارج نطاق مقالنا هذا، ليبيا لا زالت خارج النظام الدولي للتعرفة الجمركية، وهذا يعطيها نوعاً ما مرونة في فرض تعرفتها الجمركية المناسبة قبل أي التزام دولي.

المشكلة في الاقتصاد الليبي أن النظام الجمركي لم يكن ناجحاً على الإطلاق في تحديد السوق المحلية نتيجة عوامل متداخلة منها نقص الخبرات الفنية في العمليات الجمركية، كبر مساحة البلد وجود منافذ غير مسيطر عليها تماماً من الدولة، عدم التنسيق بين الأجهزة الحكومية المختلفة لتنفيذ سياسة جمركية محكمة.

وكانت الحصيلة الجمركية دائماً أصغر بكثير من المتوقع وفقاً لإحصائيات التجارة الخارجية مع العالم وفي الحقيقة تركزت على عمليات شخصية وليس على عمليات تجارية كبيرة.

وتعرض مشكلة عدم وجود نظام جمركي محكم الدولة الليبية إلى تسرب البضائع الموردة إليها وفقاً للأسعار الرسمية للصرف, فمثلاً التبغ حيث إن أسعاره في الدول المجاورة أعلى بكثير من السعر الذي يتم به الاستيراد إلى ليبيا، وبينما يقوم رجال الجمارك بعمل كبير لوقف هذا التسرب إلا أن الجهود في هذا المجال ستكون أصغر بكثير من المطلوب، وهنا يمكن أن تلعب الضريبة دوراً متوازناً, خصوصاً في بعض السلع التي يمكن رفع الضريبة عليها بسبب أضرارها بالصحة, مثلاً كالتدخين والمشروبات الغازية، أو استعمالاتها الفردية كسلع الترفيه والسلع الفخمة.

التخطيط التجاري والانفتاح الاقتصادي:لا يغيب على أي شخص إن الوضع التجاري الحالي في ليبيا في منتهى السوء وأصبح للكثير كمقلب للقمامة تتكدس فيه البضائع الفاسدة وغير الموثوقة ضمن سلاسل تزويد معطوبة لا يوجد معيار عملي لقياس كفاءتها، على الرغم من المحاذير التي تناولتها أعلاه, فإن ذلك لا يعفي الأجهزة المختصة من القيام بعملية تخطيط تجاري تهدف إلى تحسين الواقع التجاري بما يعمل على رفع المستوى المعيشي للفرد سواء من ناحية الجودة أم التكلفة.

اعتقد أن الخطوة الأولى في عملية التخطيط التجاري والتي يجب أن تقوم بها الأجهزة المختصة هي تسريع انضمام ليبيا إلى منظمة التجارة العالمية حيث ستعمل خطوة مثل هذه على إجبار الأجهزة الحكومية على ضبط الأداء التجاري المنفلت خصوصاً بعد إخراج الدولة والقطاع العام من العمليات التجارية مما خلق فراغاً كبيراً تم ملئه بأجسام تجارية عديمة الكفاءة، هذا يحقق الخطوة الثانية في التخطيط التجاري وهو الانفتاح الاقتصادي المنضبط والدخول في سلاسل تزويد موثوقة بعيداً عن تلك السلاسل الهامشية، الانفتاح الاقتصادي عملية قد تكون ذات حدين متضادين، الحد الأول حد سلبي ينتج عن ارتباط ليبي مع سلاسل تزويد مشوهة تتبادل السلع والخدمات الرديئة، أما الحد الثاني المعاكس فهو حد إيجابي يتحقق فقط عندما تفرض الدولة عبر التخطيط التجاري السليم نوعية الارتباط مع سلاسل تزويد ذات موثوقية تتبادل السلع والخدمات الجيدة.

إصلاح هيكل الصادرات والواردات: هناك الكثير يمكن قوله هنا، ولكني أشعر أنني أطلت عليكم بما يكفي لذا سأطلب منكم مراجعة الرسم المرفق والذي يبين مقارنة بين واردات ليبيا، تونس، الكويت لبعض السلع، النتيجة النهائية التي يمكن أن تلاحظوها أن ليبيا تتميز بالتركيز على استيراد السلع الاستهلاكية بشكل مبالغ فيه، فهي الأعلى في استيراد الحيوانات الحية، اللحم والأسماك، التبغ والسكر والحلويات بينما هي الأقل في استيراد الآلات الكهربائية والتي تدخل في العمليات الإنتاجية.

الخلاصة هي أن بدون إصلاح اقتصادي شامل لن نستطيع تعديل الكثير من الاختلالات في نظامنا التجاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى