استطلاع .. طارق بريدعة
الصحة في ليبيا بين الأرقام والواقع أزمة إدارة لا نقص موارد
في ظل الحديث المتزايد عن الأرقام والميزانيات المعلنة للقطاع الصحي، يبقى السؤال الأهم حاضرًا: هل تعكس هذه الأرقام واقع الخدمات الطبية التي يتلقاها المواطن؟ أم أنها مجرد واجهة رقمية تخفي خلفها اختلالات أعمق في البنية الصحية؟
منصة “الصباح” فتحت هذا الملف ليس للإثارة، بل للمشاركة في إيجاد الحل. الاستطلاع شمل أطباء، أطباء مساعدين، فنيين، ممرضين، بالإضافة إلى العنصر الأهم: المواطن.

الواقع الصحي في ليبيا.مستشفيات وأطباء
تشير البيانات الرسمية إلى أن ليبيا تمتلك نحو 96–98 مستشفى عام موزعة على كامل البلاد، وأكثر من 1,600 مركز ومستوى طبي أولي، لكن الكثير منها لا يعمل بكامل طاقته.
أما عدد الأطباء فيبلغ نحو 10,230 طبيبا، أي حوالي 17 طبيبًا لكل 10,000 نسمة، وهو أقل من المعايير الدولية التي توصي بـ25–30 طبيبا لكل 10,000 نسمة.
كما يحتاج القطاع الصحي إلى حوالي 5,000 ممرّض إضافي ،3,500 أخصائي صحي
قرابة 400 قابلة لتعزيز الرعاية الأولية والخدمات الطارئة.

الأزمة الإدارية بحسب د. محمد لاجنف
يرى الدكتور محمد لاجنف أن الأزمة تكمن في إدارة الموارد أكثر من نقصها.
“الأرقام الكبيرة قد تبدو محدودة إذا وُضعت في سياقها الصحيح. الاستثمار الحقيقي يجب أن يُوجَّه نحو الوقاية والتشخيص المبكر، مثل قياس ضغط الدم والسكري، وتعزيز برامج التطعيم، وصحة الأم والطفل، ومكافحة الأمراض السارية مثل الدرن.”
ويضيف: “التدخلات المبكرة تقلّل من كلفة العلاج لاحقا وتحدّ من تفاقم الحالات، مع ضرورة وجود خدمات طوارئ فعّالة ومجهزة بالكامل.
وينتقد الدكتور لاجنف الاعتماد على الحملات الدعائية المؤقتة والحلول الشكلية، مؤكدا أن بناء منظومة صحية مستدامة يبدأ من المدارس، مرورا بالتوعية المجتمعية، وانتهاءً بتطوير الخدمات العلاجية المتقدمة.
فجوة الأمان الطبي: د. عائشة اللافي
توضح الدكتورة عائشة اللافي أن مستوى الأمان الطبي يختلف بحسب الإمكانات وظروف العمل داخل كل مؤسسة صحية.
النقص الحاد يشمل المحاقن، المعدات الطبية، وأجهزة التشخيص الحديثة، إلى جانب تقادم الأجهزة وعدم صيانتها. كما أن غياب التدريب والتأهيل يقلل من الاستفادة من الإمكانات المتوفرة، ما يحدّ من جودة الخدمة الطبية المقدمة.
(ميزانيات معلنة وخدمات غائبة: ماذا يحدث داخل القطاع الصحي الليبي؟)

القطاع العام أم الخاص؟ د. الصديق بن دله
يشير الدكتور الصديق بن دله إلى الفارق الواضح بين القطاع العام والمصحات الخاصة:
الأخيرة توفر تجهيزات أسرع وأدوات أكثر تكاملًا، رغم أنها لا تغطي جميع الحالات.
سلامة المريض تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الإسعاف، المستشفى، والخدمة العلاجية المطلوبة.
“تطوير القطاع الصحي يتطلب ميزانيات مدروسة ومعدات حديثة، لأن الحالات المرضية مختلفة ولا يمكن التعامل معها بمنهج واحد.

لماذا يختار المواطن المصحات الخاصة؟ د. سالم شنيشح
أوضح الدكتور سالم شنيشح أن المواطنين يتجهون للقطاع الخاص لأسباب عملية.
الوقت المتاح مع الطبيب أطول مقارنة بالمستشفيات العامة
تكامل الخدمات (تحاليل، أشعة، متابعة مستمرة)
إمكانية متابعة الحالة مع نفس الطبيب بانتظام
الخصوصية المتاحة في القطاع الخاص
“هذه الفجوة بين القطاعين تعكس اختلالات إدارية وتنظيمية أكثر من كونها نقصًا في الموارد وحدها.
تحديات إضافية
توقف برامج الدعم الدولية مثل منظمة “أطباء بلا حدود” منذ مارس 2025، مما أثر على فئات هشة مثل مرضى السل والمهاجرين.
ضعف الخدمات المتخصصة: مستشفى بنغازي قام بـ1,313 عملية جراحية بنهاية النصف الأول من 2025، لكن الطلب على الخدمات المتقدمة يفوق القدرات.
نقص التجهيزات والأدوية في مستشفيات طرابلس وغيرها، رغم افتتاح عيادات جديدة.
ملف الصحة النفسية شبه مهمل، مع وصم اجتماعي وضعف الدعم الرسمي.
البطء في تدريب الممرضين وتنفيذ خطط التعليم الصحي.

شهادات من الميدان
طبيب استشاري – مستشفى عام طرابلس
“المشكلة ليست نقص الأطباء فقط، بل غياب المنظومة الكاملة؛ الطبيب موجود لكن دون أجهزة، دون أدوية، ودون نظام إحالة واضح.
أخصائية تمريض
“التمريض هو العمود الفقري للنظام الصحي، لكننا الحلقة الأضعف: لا تدريب مستمر، لا حوافز، ولا حماية قانونية.
طبيب نفسي – غدامس
“الصحة النفسية شبه غائبة عن سياسات الدولة، والمريض يُترك بين الوصم الاجتماعي والإهمال الطبي.”
صوت المواطن
مواطن (45 عامًا) نذهب للخاص لأن الانتظار في المستشفى العام طويل، وأحيانًا نغادر دون لقاء الطبيب. في المصحة أعرف مواعيدي.
مواطنة (34 عامًا) المشكلة ليست في الأطباء بل في نقص الإمكانيات والتنظيم.
مواطن (52 عامًا): “أحتاج متابعة مستمرة، وفي المستشفى العام لا أجد الطبيب نفسه كل مرة.”
مواطنة (28 عامًا) الخصوصية مهمة، خاصة في الحالات الحساسة، وأشعر براحة أكبر في المصحات الخاصة.
مواطن (40 عامًا) “القطاع العام يفترض أن يكون الملاذ الأول، لكن التجربة غير مشجعة بسبب الازدحام وقلة الخدمات.
أزمة القطاع الصحي في ليبيا ليست نقصا في الموارد فقط، بل تشمل.
غياب الرؤية ،سوء الإدارة ،تراجع الصيانة والتدريب
اتساع الفجوة بين الوقاية والعلاج وبين القطاعين العام والخاص.
الأرقام والإحصاءات توضح حجم العجز، بينما شهادات الأطباء والمواطنين تكشف أثره اليومي على حياة الليبيين.
الرهان الحقيقي هو بناء منظومة صحية عادلة ومستدامة تضع الإنسان قبل الأرقام، الوقاية قبل العلاج، والجودة قبل الدعاية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية