منصة الصباح
إبنة مواطنة ليبية في مرمى نيران الحرب السودانية

إبنة مواطنة ليبية في مرمى نيران الحرب السودانية

 تحقيق / إ براهيم الحداد

مأساة «سهيلة» – وهذا اسم حركي حفاظًا على خصوصية السيدة – معقدة تحكي معاناة أم فرت إلى بلد أخوالها في ليبيا مع أطفالها الخمسة وزوجها.. هذه القصة ليست قصة لجوء من الحرب بقدر ما هي عودة للجذور بعد حرمان طال لسنوات.

الحكاية تبدأ أواخر التسعينات عندما قرر «س.ع»، سوداني الجنسية، أخذ ابنتيه من أم ليبية والعودة إلى بلد السودان على وقع مشاكل عائلية وفقر وسوء حظ.

واليوم، الجدة الليبية تحتضن 5 أطفال وأمهم وأبوهم على إعانة التضامن الاجتماعي بعد أن حُرمت من ابنتها قرابة 20 عامًا، في صمت، وشكرًا للأقدار.

تحت وطأة الحصار

شقيقة “سهيلة” لا تزال محاصرة في السودان مهددة بالقتل مع أبوها المسن، تعيش في خيمة مهترئة وتنتظر دورها في الفرار نحو الكفرة، بعد أن سلب المهربون آخر ما لدى والدها من نقود، دون أن تستطيع الأم الليبية استقدامها بشكل قانوني أو ضمان سلامتها.

ليبيا لا تعترف بأبناء المواطنات
القانون يمنح مزايا للأجانب ويمنعها عن أحفاد الليبيين

القانون الليبي يرفض منح سهيلة الجنسية، ولم يحرمها من حقها فحسب، بل شلّ قدرة الأم الليبية على حماية أسرتها، سواءً بتمكين زوجها وأبنائها من الإقامة بميزات قانونية تعطيهم حقوقًا في التعليم والصحة، أو بإنقاذ ابنتها الأخرى من ويلات الحرب في بلد الأب.

والمفارقة المرّة أن المواطنة الليبية اليوم ترى ابنتيها وأحفادها ملاحقين قانونيًا في بلدها لدخولهم بشكل غير قانوني، بينما تمنح دولة ليبيا إعفاءات لمواطنين من جنسيات أخرى ليس لهم علاقة بليبيا وبلدانهم بعيدة عن ليبيا، وترفض استقبال اللاجئين على أراضيها.

الفرار من الجحيم عبر المهربين وقطاع الطرق

اضطرت سهيلة وأسرتها لعبور الحدود الليبية من مناطق الجنوب الشرقي (الكفرة) في رحلة تهريب مميتة عبر مسار عسكري ملتهب. هذا الدخول غير القانوني وضع على سهيلة وأبنائها وصمًا مزدوجًا:

الحرمان من الجنسية الليبية لكونها ابنة مواطنة، والملاحقة القانونية لكونها متسللة عبر الحدود مع عصابات الإجرام والتهريب.

عن نفسها تقول «سهيلة م» : أنا ابنة مواطنة ليبية، عدت إلى أمي بعد 20 سنة من الحرمان لأن الحرب دمرت كل شيء.

يتي في الخرطوم دُمّر ومسح عن الأرض، لذلك قررت العودة إلى أمي وأخوالي، البلد الذي نشأت فيه .. ومن تاريخ وصولي اكتشفت أن القانون يلاحقني أنا وزوجي وأبنائي، ولم أستطع إدخال أبنائي للمدارس لأنهم أجانب، وأبوهم يحتاج لإقامة عمل،نحن نعيش في خوف دائم من الترحيل، بينما شقيقتي تموت خوفًا في السودان.”

مفارقة بطعم الحنظل

الأطفال الخمسة، أحفاد المواطنة التي تتقاضى التضامن الاجتماعي، محرومون من التعليم والرعاية الصحية المستقرة .. وبدلاً من أن توفر الدولة لهم الحماية كأحفاد لمواطنة، تُجبرهم على العيش في الظل كغرباء، معرضين للاستغلال لأن زوج سهيلة لا يستطيع العمل بشكل قانوني بسبب وضعه.

مأساة جيل تختصر بالأرقام

تجاوزت قصة سهيلة وأمها حيز المأساة الفردية لتصبح قضية ديموغرافية وحقوقية معقدة .. ووفقًا لتقديرات غير رسمية، ومعتمدة على سجلات الأحوال المدنية مسربة بشكل غير رسمي بسبب تحفظ الحكومة على نشر البيانات وعمل منظمات المجتمع المدني، يُقدر أن عدد الليبيات المتزوجات من أجانب خلال الخمسين سنة الماضية قد تجاوز 25,000 امرأة.

هذه الأرقام، التي تشمل زيجات من دول الجوار ومن دول أخرى، خلقت كتلة سكانية ضخمة معلقة قانونيًا.

الخطر الأكبر يكمن في الأجيال اللاحقة، فإذا كان متوسط عدد أبناء هؤلاء النساء يبلغ ثلاثة، فإن عدد الأبناء المباشرين غير الليبيين يتجاوز 75,000 شخص .. أما جيل الأحفاد، مثل أطفال سهيلة الخمسة، فإن الأعداد قد تصل إلى عشرات الآلاف ممن يجدون أنفسهم اليوم محرومين من الجنسية الليبية، أو مقيمين على الأراضي الليبية في وضع ضبابي قانونيًا، معرضين لخطر التهجير والإبعاد.

هذه الأرقام تشير إلى أن ما يواجهه أطفال الليبيات من أجانب ليس استثناءً من أزمات ليبيا المؤجلة حتى قيام الدولة، بل هو جزء من قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي في ليبيا، وتتطلب تدخلاً تشريعيًا حكيمًا يتناسب مع حجم الأزمة، لا مجرد حلول إدارية مؤقتة.

شاهد أيضاً

أساس‭ ‬تحقيق‭ ‬المواطنة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬انتماء‭ ‬آخر

          هــل اختفى معنى الجيرة.. وأصبـح الجيران أغــراباً ؟ اليوم نشاهد …