في المشهد الثقافي الليبي أسماءٌ تلمع سريعًا ثم تخفت، وأسماءٌ أخرى لا تحتاج إلى ضوءٍ كثيف كي تُرى؛ لأنها تضيء من الداخل. ومن هذا الطراز الأخير يبرز اسم إبراهيم حميدان، القاصّ والصحفي والمثقف الذي جعل من الكتابة فعلَ وعيٍ ومسؤولية، ومن الثقافة حضورًا يوميًا لا ينفصل عن الحياة.

لم يكن حميدان كاتبًا صاخبًا، ولم يسعَ إلى بطولاتٍ خطابية، بل اختار منطقةً أكثر صعوبة: أن يكتب بهدوءٍ عميق، وأن يُحمّل التفاصيل الصغيرة أسئلةً كبرى. لذلك ظلّ أثره ممتدًا بعد رحيله في 11 ديسمبر 2023، وكأن نصوصه تواصل ما بدأه من حوارٍ مفتوح مع الواقع.
التكوين… جذور الوعي
وُلد إبراهيم الصادق حميدان في طرابلس عام 1958، وفيها تشكّلت ملامحه الأولى، وتكوّنت علاقته المبكرة بالقراءة والمدينة والناس. درس العلوم السياسية ونال درجة البكالوريوس سنة 1986، ثم الماجستير سنة 2003، وكان لتكوينه الأكاديمي أثرٌ واضح في رؤيته التحليلية ووعيه بطبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية.
هذا التداخل بين السياسي والثقافي لم يظهر في نصوصه كشعارٍ مباشر، بل كتوتّرٍ داخلي، كوعيٍ خفيّ يحكم بناء الشخصيات ويضبط إيقاع السرد. لقد أدرك أن الأدب ليس خطبة، بل مساءلة، وأن القصة القصيرة يمكن أن تكون مختبرًا لفهم المجتمع.
الصحافة… تمرينٌ على الاقتصاد والجرأة
بدأ حميدان مسيرته المهنية محررًا ومدققًا لغويًا في وكالة الأنباء الليبية خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. هناك تمرّس على دقة اللغة، واختبر قوة الجملة المختصرة، وتعلّم أن المعنى قد يُختزل في سطرٍ واحد.
جاءت تجربته الصحفية في زمنٍ ضاقت فيه مساحات التعبير، لكن ذلك لم يثنه عن الاستمرار. كتب في عدد من الصحف والمجلات المحلية، وأسهم في تحرير وإدارة مطبوعات ثقافية، وكان من أبرز محطاته تولّيه إدارة تحرير مجلة «لا» في تسعينيات القرن الماضي. عبر زوايا مثل «حروف مشاغبة» و«وخزات» قدّم كتابةً إصلاحية رصينة، تعتمد التلميح بدل التصريح، والإضاءة بدل المواجهة الصاخبة.
جمع بعض مقالاته لاحقًا في كتاب «بين قوسين»، الذي يعكس روحه النقدية وقدرته على قراءة الواقع من مسافةٍ تأملية، دون أن يفقد حرارة الانتماء إليه.
القصة القصيرة… هندسة الثنائيات
في فضاء القصة القصيرة وجد حميدان مجاله الأعمق. صدرت مجموعته الأولى «لقاء» عام 1986، وفيها بدا واضحًا انحيازه إلى الإنسان العادي، إلى التفاصيل اليومية التي تبدو عابرة لكنها تختزن توترًا خفيًا. قصصه لا تعتمد الحدث الصاخب، بل تقوم على مفارقةٍ دقيقة، أو لحظة انكشافٍ نفسي، أو انتقالٍ بين عالمين يفصل بينهما بابٌ رمزي.
أما مجموعته الأخيرة «رمال متحركة» (2022)، فقد مثّلت ذروة نضجه السردي. هنا تتكثف الثنائيات: الظاهر والخفي، الرغبة والعجز، الصراخ والصمت. شخصياته تعيش حالة ضغطٍ داخلي، تقف على حافة الاعتراف لكنها تعجز عن إطلاق الصرخة. العنوان ذاته يحيل إلى واقعٍ متقلّب، أرضٍ لا تثبت تحت الأقدام، في إشارةٍ رمزية إلى هشاشة الواقع الاجتماعي والسياسي.
تميز أسلوبه بالاقتصاد اللغوي، والنهايات المفتوحة التي تدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى. لم يكن يعظ، بل يوقظ؛ ولم يكن يقدّم حلولًا، بل يزرع سؤالًا.
المثقف الفاعل… الثقافة كفعلٍ جماعي
لم يكتفِ حميدان بدور الكاتب، بل كان فاعلًا في الحراك الثقافي. شارك في رابطة الأدباء والكتاب الليبيين، وأسهم في إدارة عدد من المطبوعات الصادرة عنها، كما كان من المؤسسين لـ الجمعية الليبية للآداب والفنون، التي عملت على تنشيط المشهد الأدبي عبر الندوات والملتقيات.
عرفه أصدقاؤه بقوة حضوره وذاكرته الأدبية الواسعة، وبشغفه بالموسيقى، وحرصه على اللغة السليمة. كان قارئًا نهمًا، يؤمن بأن الكتابة الجيدة تبدأ بقراءةٍ واعية ومسؤولة. تلك التفاصيل الصغيرة — طريقته في اختيار المفردة، أو توقفه عند دلالةٍ عابرة — كانت جزءًا من مشروعه الإبداعي.
الرحيل… وبقاء الأثر
في ديسمبر 2023، غاب الجسد وبقي النص. لم يكن رحيله نهاية، بل بداية قراءةٍ جديدة لإرثه. استعيدت أعماله في ندواتٍ وقراءات نقدية، تأكيدًا على أن الكاتب الحقيقي يظل حاضرًا في ذاكرة قارئه.
إبراهيم حميدان اسمٌ نُقِش في الذاكرة الثقافية الليبية بوصفه كاتبًا آمن بأن الثقافة فعل مقاومة هادئة، وأن القصة القصيرة قادرة على احتواء عالمٍ كامل في صفحاتٍ قليلة. سار بقلمه على أرضٍ غير ثابتة، لكنه لم يفقد اتزانه. كتب الصمت كما يُكتب الصراخ، وجعل من الكلمة بيتًا أخيرًا للمعنى.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية
