ألرئيسيةرأي

أقانيم الدين الإبراهيمي – 6

علي عبدالله

 

يبدو السؤال عن منشأ المنظومات الاقنومية أو التثليث في بنى النظم المسماة دينية ( وهو الشاغل هنا ) ، مهماً بقدر ماللإجابة عليه من أهمية  إذ ثمة أمل في أن تلقي ضوءاً على حقيقة ( الدين الإبراهيمي ) الذي يُبَشَّر به ويُدعى إليه بحماس مريب ، مثلما على الثالوثين اليهودي و المسيحي اللذين يصر أتباع كل منهما على أنه يجسد  ديناً سماوياً جاء عن طريق الوحي الإلهي ، وذلك لأن المعلنين عن الدين الإبراهيمي والمبشرين به لا يحملون تصوراً له يغاير النموذجين اليهودي و المسيحي بالذات ، الأمر الذي يجعل من الابراهيمية مجرد نسخة تضاف إلى نسخة شاوول الطرسوسي عن أيديولوجيا عزرا .

ومهم في معرض الإجابة عن هذا السؤال القول : – أن فساد الفطرة الإنسانية هو مكمن النظم الإقنومية جميعاً ، ذلك أنه ما من سبيل أمام الفطرة الإنسانية باعتبارها ما يميز الإنسان عن غيره من الموجودات لتحقق سواءها  ، إلّا عبر  تجسيدها الرابط الذي يوثق علاقة الإنسان بذاته ووجوده وبالآخر الذي لا يمكن أن يكون نسخة عنه ولا إمتداداً له بل هو كيان ووجود مغايرين له ومختلفين عن ذاته ووجوده  ، فتميز الإنسان عن غيره الذي تحققه الفطرة لا يعني فصم صلاته بذلك الغير ولا قطع علاقته به ، بل هو نافذة مشرعة أمامه للتساؤل والمعرفة ، واكتشاف حاجته للآخر بمقابل حاجة ذلك الآخر إليه ، وهو اكتشاف يمكن أن ينبهه إلى أهمية ذلك الآخر التي لا تقل عما يراه في ذاته ولها من الأهمية ، فالمساواة التي مرت بنا ضمناً في هذا النقاش ، وما تنطوي عليه من أهمية تضفيها على كل الذوات الإنسانية ليست مفهوماً مجرداً بل قيمة إنسانية تقف إلى جانب غيرها من القيم السامية التي يتوقف على تحققها في الواقع وفاعليتها فيه معنى الوجود والحياة ، لكن المهم هنا هو أن تَحَقُق تلك القيم متوقف بدوره على سواء الفطرة ، والتي تجسدها ثلاثة نزوعات أساسية يتحدد في إطارها كيان الإنسان ووجوده بكل ما لهما من معان وقيم .

1 – النزوع إلى التجاوز والارتقاء والتسامي على الذات وواقعها المرتهنة إليه ، وهو ما يمكن أن يسمى ( الوضع الإنساني ) ، استشرافاً وتطلعاً إلى أفاق أسمى وأكثر رحابة من شرنقة الراهن المقفل والكامد ، ونهوداً إلى تحقيق ( الشرط الإنساني ) الذي هو الإجابة على سؤال الوجود .

2 – النزوع إلى الإجتماع ، الذي يعرّف في العلوم الانسانية بغريزة الاجتماع ، لكنه في الواقع وفيما خص الإنسان ليس مجرد غريزة شأنه عند الحيوان الذي لا يتجاوز دورها لديه تأدية وظائف عضوية محددة مثل وظيفة التناسل التي تتحكم فيها هرمونات تفرزها غدده  الصماء في مواسم معينة ، أو غريزة الإغتذاء الذي تمارسه بعض الفصائل الحيوانية في قطعان للرعي أو الصيد ، إذ النزوع الإنساني إلى الإجتماع لا ينفصل عن النزوع إلى الإرتقاء والتسامي ، بل هو يتأسس عليه ، ويتقوم بمدى اعتماده عليه مرجعية وجود ومصدر تقييم أخلاقي وحقوقي .

3 – النزوع إلى التملك والاستحواذ والحيازة ، ولعل هذا النزوع بحكم كونه مجال الشهوات بما تعنيه من اندفاع أعمى تجاه الرغبات وجهل بما يفترض أن يكون حدوداً لابد من مراعاتها والإلتزام بها هو المصدر الأول والرئيسي لفساد الفطرة الإنسانية ، التي لا تبدو قابلة للفهم بمعزل عن هذه النزوعات الثلاثة ، أو خارج حدودها .

ويبقى بعد هذا التعريف المقتضب للفطرة الإنسانيةأن نحاول التعرف إلى مدى واقعية القول بأن فسادها هو مكمن النظم العقدية الأقنومية ، وإلى أي حد هو قول دقيق في توصيف واقع تلك النظم

إن ما يبدو ظاهراً من مقابلة ثلاثة أقانيم كما في الثالوث اليهودي ( رب الجنود ، والشعب المختار ، وأرض الميعاد ) أو الثالوث المسيحي ( الآب ، الإبن ، الروح القدس )  بنزوعات الإنسان الفطرية ، يعلن أن في كل من الثالوثين استجابة مباشرة لنداء الفطرة ، وإجابة عن سؤال المعنى الذي تطرحه ، ولكن ليس ضرورياَ أن يعبر ذلك الظاهر  عما وراءه ولا أن يكون صورة مستنسخة عنه ، بل قد يكون مختلفاً عنه وحتى مناقضاً له ، فلا يُعْقَلُ الزعم بأن إلها قومياً أسبغت عليه سمات عرقية ورباً خاصاَ بعرق إختاره دون غيره من الأعراق البشرية وميزه عنها جميعاً بالأفضلية والقداسة والأهمية ووعده بوطن أناس آخرين لمجرد أنهم وفق اعتقاد ذلك الإله المضحك دون شعبه المختار  إنسانية ودونه تبعاً لتلك الفرية قيمة وأهمية .

مثلما لا يعقل أن يتجسد خالق ورب العالمين في واحد من خلقه ليتحمل جريرة  خطيئة اقترفها مخلوق من خلقه أيضاً ( حتى إذا كان أبو البشرية ) وورثها نسله من بعده بزعم القائلين بذلك ، ثم ىيُصْلَب تكفيراَ عنها ، فبأي عقل يمكن تصديق أن يغدو الخالق فداءاً لمخلوقه ؟ وكيف يستوي ذلك في دين يقال أنه سماوي وموحى به من الخالق تعالى ،  لا يعقل أن يجيء أي من تلك المزاعم الواهية عن استجابة سليمة لنداء الفطرة الإنسانية ، ولا يبدو مؤهلاً لأن يكون الإجابة الَمقنعة عن سؤال المعنى . ذلك أن الفطرة ( إنسانية ) وليست يهودية ( بالمعنى العرقي ) السائد ولا مسيحية بالمعنى الذي يختزل العرق في إنسان يزعم أنه إله ، ثم أن مايتخطى ذلك من حيث الأهمية أن ما يسمى الدين الإبراهيمي بالشكل الذي يُقَدّمُ به وبصياغته على مثال الصيغتين السابقتين أي بأقانيم ( اليهودية والمسيحية والإسلام ) لن يجسد أية استجابة لنداء الفطرة ، وعاجز بالتالي ( وبكل تأكيد ) عن إجابة سؤال المعنى .

إن المسلم الذي يعرف جيداَ أنه لم يكن صدفة أن يفتتح وحي كتابه المقدس ( القرآن الكريم ) بأمر الخالق إليه ( بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ الّرَحيم ٠

إقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ إقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥ )

ويرى دون لبس ( حين يتدبر هذه الآيات الكريمة ) أنها تخبره بأن ربه ليس ( يهوه ) ولا ( المسيح ) ، ربه هو خالقه تعالى الذي يتميز عن كل ما يدعى أرباباً بأنه ( الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد)

يثق أن في بالتوجه إليه بالتقديس والعبادة يجد نزوعه الفطري إلى الإرتقاء والتسامي تحققه ، فالايمان بأسمى المباديء على الإطلاق ( مبدأ التوحيد) الذي يقول أن : – ( لا إله إلْا الله ) والتسليم بمقتضياته والسلوك والعمل بما يوأفقه هو تحديداً ما يعنيه أن يكون مسلماً ، إلى ذلك يرى المسلم بتأمله في مفتتح الوحي القرآني أنه ليس صدفة أن الخالق تعالى قد خلقه من ( علق ) ، ذلك أن العلق الذي يعود إلى تعالق عنصري تكوينه العضوي ( الحوين المنوى الذكرى والبويضة الأنثوية) في رحم أمه ، هو الأساس الذي  يتوقف عليه اكتمال تكونه وصيرورته إنساناً مؤهلاً  لمواجهة العالم الخارجي وأخذ مكان فيه لتحقيق هدفه الوجودي ورسالته الحياتية ، إن إنسانيتنا تبدأ من تعلق كل من ذينك العنصريين الأساسيين وارتباطهما الذي يتفاعلان في إطاره ، ففي العلق إشارة إلى ( المودة والرحمة) لا كمفهومين مجردين كثيراً ما يُساء فهمهما وتفسيرهما ، بل كقيمتين ساميتين تتصدران ( منظومة القيم ) الإنسانية ( حقيقة لا مجازاً ) المؤسسة على مبدإ التوحيد و التي تشمل فيما تشمله قيم ( الحياة ، الحرية ، العدالة ، المساواة ، الحكمة ، الشورى ، وحتى الثورة … الخ ) وما من شك أنه متاح للمسلم أن يلاحظ ويكتشف أن هذه المنظومة القيمية هي الأكثر أهلية من غيرها لأن تكون استجابة مناسبة لنزوعه الفطري إلى الإجتماع كما أنها إمكانيته الوحيدة التي تتيح له  رتق شروخه  الداخلية ومعالجة تمزقاته وتشتتاته وما تكتظ به دخيلته من أدواء فكرية ووجدانية ، بل وعضوية أيضاً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى